مرة أو مرتين قال جون قرنق قائد حركة التمرد ان تعدد المبادرات بشأن مشكلة جنوب السودان يتيح للحكومة السودانية التلاعب بين هذه المبادرات باستغلال تناقضاتها. غير ان هذا القول ينطبق اكثر ما ينطبق على قرنق نفسه بأجندته المتضاربة بين طرح شعارات الوحدة عوضا عن الانفصال تارة، والانفصال عوضا عن الوحدة تارة اخرى وفقاً لمتطلبات الظروف. على اية حال، سواء اختلفنا مع قرنق او اتفقنا معه فإن الحقيقة الثابتة الماثلة هي ان تعدد المبادرات اثمه اكبر من نفعه. فالمبادرات المطروحة على الساحة لم تحقق بتعددها مع تضارباتها سوى تراكمات من الارتباك والفشل. فما هو المخرج؟ اذا استثنينا الوساطات العابرة فإن امامنا اربع مبادرات رئيسية: مبادرة «ايجاد» المقدمة من مجموعة الدول الافريقية المجاورة للسودان، والمبادرة المشتركة الثنائية المقدمة من مصر وليبيا، ومبادرة الولايات المتحدة التي يطرحها المبعوث الرئاسي دانفورث، ومبادرة بريطانيا المكلفة بها الوزيرة كلير شورت. لمدى ثماني سنوات منذ عام 1994 لم تحقق مبادرة ايجاد في مسلسل جلساتها التفاوضية بين الحكومة السودانية وحركة قرنق باشراف ومشاركة خمس دول افريقية (اريتريا واثيوبيا وكينيا ويوغندا وجيبوتي) اي اختراق دبلوماسي. ولمدى اربع سنوات منذ عام 1998 لم تتجاوز المبادرة المصرية الليبية المشتركة دائرة الاتصالات التمهيدية.. فلم يتيسر لها الاقلاع اطلاقا. اما المبادرتان الغربيتان ـ الامريكية والبريطانية ـ فانهما، ربما لحداثة عهدهما، لا تزالان في مرحلة جنينية، رغم ان المبادرة الامريكية حققت بعض التقدم الاجرائي الشكلي. وبالاضافة إلى صراعات الاطراف السياسية السودانية وتناقضاتها واختلاف اولوياتها، فإن الحقيقة الكبرى وراء فشل المبادرات الخارجية المطروحة او تباطؤ ايقاعها تتمثل في التضارب بين الطروحات التي تنطوي عليها هذه المبادرات. وهذا التضارب بدوره ناشيء عن استقلال كل مبادرة عن الاخرى. ويتبدى هذا التضارب اكثر ما يتبدى بين المبادرة المشتركة ومبادرة ايجاد. فبينما يشتمل اعلان مباديء ايجاد على حق تقرير المصير لشعب الجنوب السوداني، فإن المبادرة المشتركة تنطوي على رفض لهذا الحق. وبينما تتضمن ايجاد اقترابا من قضية العلاقة بين الدين والدولة باقتراح نظام علماني لسودان موحد، فإن المبادرة المشتركة تغفل هذا الامر تماما. ثم ان العملية التفاوضية داخل ايجاد تقتصر على طرفين سودانيين فقط، الحكومة وحركة قرنق، بينما تفسح المبادرة المشتركة اشتراك كل القوى السودانية ـ شماليها وجنوبيها. وتأتي لاحقا المبادرة الامريكية بصيغة «نظامين ودولة واحدة» ـ اي نظام اسلامي في الشمال ونظام علماني في الجنوب ـ لتضيف ارتباكا إلى ارتباك. ونعود للسؤال المطروح: ما المخرج؟ اظن ان الاستنباط واضح. فإذا كان السبب في عقم هذه المبادرات هو التضاربات القائمة بين طروحاتها مع انغلاق كل منها على نفسها، فلماذا لا تدمج جميعا داخل مبادرة موحدة وفق تشاور موضوعي تم الاتفاق عليه بين كل القوى الخارجية ذات العلاقة والقوى السياسية السودانية في الشمال والجنوب معا. لنعترف اولا ان مشكلة جنوب السودان جرى تدويلها بالفعل إلى غير رجعة. واذا اقررنا بهذه الحقيقة، وبالتالي بمشروعية دخول قوى خارجية على خط القضية، فإن الخطوة العقلانية التالية تكون هي كيفية توحيد جهود هذه القوى الخارجية والتنسيق بينها وبين القوى المحلية السودانية. بكلمات اخرى اقترح عقد مؤتمر دولي حول مشكلة جنوب السودان يجمع القوى الخارجية صاحبة المبادرات مع القوى السياسية السودانية. ينعقد هذا المؤتمر الدولي بحضور مصر (نيابة عن دولتي المبادرة المشتركة) وكينيا (نيابة عن دول ايجاد) والولايات المتحدة وبريطانيا، جنبا إلى جنب مع ممثلي «المؤتمر الوطني» (الحزب الحاكم في السودان) وحزب «الامة» والحزب «الاتحادي الديمقراطي» و«الحركة الشعبية لتحرير السودان». على المؤتمر تطرح المبادرات جميعا لتتبلور من خلال المناقشات نقاط الالتقاء والاختلاف بينها، فتثبت نقاط الالتقاء وتستنبط صيغ توافقية لنقاط الاختلاف. وفي النهاية يتبنى المؤتمر الدولي مبادرة موحدة نهائية باتفاق الجميع. وربما يرى المؤتمرون بعد ذلك طرح المبادرة الموحدة الجديدة على استفتاء شعبي في شمال السودان وجنوبه. والله اعلم