وزير التربية والتعليم العالي الأخ الدكتور مساعد الهارون وجد نفسه في الأسبوع الماضي أمام احتمال ممكن ان يستجوب من قبل الأخ الدكتور حسن جوهر بسبب ما نسب للوزير في اللائحة المنشورة في الصحف، وكلا الرجلين ينسبان إلى الجامعة وهي طليعة المجتمع. وتأتي المفارقة الأولى في المجتمع الكويتي المعاصر من ان ثلاثة من الوزراء في الوزارة الحالية الذين تركوا الوزارة أو يشاع تقديمهم للاستجواب في البرلمان هم من الجامعة. أولهم خسرته الكويت كاداري وسياسي هو الدكتور عادل الصبيح، وثانيهم هو مساعد الهارون، والثالث هو أيضاً من أفضل من قدمتهم الجامعة للعمل السياسي وهو الأخ الدكتور يوسف الابراهيم، وزير المالية والتخطيط. وعند الحديث مع بعض أعضاء مجلس الأمة تسمع من كثيرين منهم ان هؤلاء الوزارء من أكثر المسئولين عزوفاً عن الخطأ المتعمد واقبالاً على العمل الجاد المتوخي المصالح العامة. والسؤال هل هي مصادفة إذن، إن لم تكن هناك أسباب أعمق ـ تلك المتابعة السلبية الحثيثة لأفضل من حمل الأمانة العامة من رجال العمل العام، أم قد تقودنا هذه الخطوات إلى القول اننا نتخلص أو نحاول ان نتخلص ـ كمجتمع ـ من أفضل ما لدينا من كفاءات؟ تلك هي المفارقة الأولى، أما المفارقة الثانية فإن صلب استجواب وزير التربية المنشور وهو الأمر الذي استوقفني هو الاحتجاج على عدم فصل البنين عن البنات في مراكز العلم والمعرفة وهو ما يسمى التعليم المختلط، وهنا تظهر هذه المفارقة الثانية بكل تجلياتها، حيث ان توقيت هذا الاستجواب وبهذا المنحى الذي يركز عليه يجيء بين أسبوعين يتخللهما يوم المرأة العالمي (الثامن من مارس) ففي الوقت الذي يحتفل فيه العالم، كل العالم، بما قدمته المجتمعات لرعاية المرأة والاعتناء بها كانسان، يقدم إلى وزير التعليم العالي الكويتي استجواب بسبب «عدم فصله البنين عن البنات في دور العلم»! قدرات التمكين اعرف كما يعرف غيري ان هناك قانوناً صدر بهذا المعنى ولكني أعرف كما يعرف غيري أيضاً ان القانون هو آلية يلجأ إليها المجتمع لتنفيذ مقترحاته غير ان هذا لا يعني عدم وجود تباين في الآراء والمواقف والتفسيرات لكيفية تطبيق هذا القانون، كما يوجد أيضاً محددات للتطبيق: مالية وبشرية ومكانية كبيرة، وربما مستحيلة، فالأحكام تدور مع عللها وليس مع حكمها، كما ان العمل بالمقاصد هو غاية المشرع لا تطبيق النصوص، فإن انتفت أسباب ما هو متحوط منه في اصدار القانون جاز للمنفذ ان يتصرف بما يراه ممكنا ومستحسناً، حتى تغيير هذا القانون بالآلية نفسها التي صدر بها وذلك لأن تحديد مفهوم الديمقراطية بالقواعد الاجرائية فحسب مغالطة لسنا في حاجة إلى التوقف عندها. ولا داعي من جهة أخرى لاعادة النقاش هنا حول الحديث عن فصل البنين عن البنات في دور العلم العالية، سواء أكان إسلامياً، أم غير اسلامي، لأن في ذلك وجهات نظر شتى أغلبها يقود إلى ترجيح العادات والتقاليد والانماط المعيارية، قبل تأكيد النصوص وان أمعنا النظر في بلدان اسلامية كثيرة حولنا فسنجد ان أغلبها لا يأخذ بقاعدة فصل البنين عن البنات في المدارس العالية ودور العلم وهذا لا يعني ايضاً فرض التعليم المشترك فرضاً على من لا يريد ذلك، إنما اتاحة الفرصة لمن يريد من الطلاب والطالبات في حدود الامكانات إلا ان جوهر الأمر هو ليس تضارباً وتعنتا ضد نصوص قطعية الدلالة ولا خروج من يفعل ذلك عن ملة الاسلام والعياذ بالله، إنما هو يقع في خانة التمكين «مما هو مرغوب وغير محظور». اختلاف النظم ينقسم هذا العالم الذي نعيش فيه إلى أقسام عديدة، بعضها له علاقة بالاقتصاد أو الدين أو اللون أو اللغة ولكنه أيضاً ينقسم الى قسمين في الممارسة الديمقراطية (بصرف النظر عن تفاصيل آلياتها) فهناك من الدول والمجتمعات من لا تتيح لمواطنيها ممارسة حقوق سياسية عن طريق الترشيح والانتخاب والنصف الآخر يتيح هذه الممارسة ومن هذا القسم الأخير الذي يكبر كل يوم نجد ان البلد الوحيد الذي يمارس الحقوق السياسية بنصف المجتمع دون نصفه الآخر هو الكويت، ولا اعتقد ان الزمن بعيد عن اليوم في امكان حصول المرأة الكويتية على حقوقها السياسية ولكن بعد ذلك هل نسمع من يقول لنا ان علينا ان نبني «مجلسين للأمة» أحدهما للرجال والآخر للنساء؟ ان استمر هذا الموضوع مطروحاً للنقاش ربما نسمع ذلك، وفي هذا المقام فإن المرسوم بقانون الذي اصدره سمو أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد باتاحة الفرصة للنساء لممارسة حقوقهن السياسية كان قد فوته البعض بسبب قصر النظر الذي يطغى كمحصلة لتحمس طرف ضد الطرف الآخر، وحيث ان الشعوب تدخل اليوم أفواجاً في مجال الحرية السياسية فإن المرأة تدخل أيضاً في ذلك الباب الكبير. أساس المشكلة ربما أصبح يتعين علينا ان نتفهم ان الديمقراطية هي جزء من حل المشكلة، التي هي في الأساس في بلدنا اقتصادية وما يتفرع عنها من عسف وتسلط وتبعية ومن ثم لا يجوز ان نحول الديمقراطية إلى جزء من المشكلة فنحن نعيش الديمقراطية ولا نفكرها! وليس هناك دليل في العلوم الاجتماعية حتى الآن يقود دون مواربة إلى ان الديمقراطية في آلياتها العارية فقط هي الحل الناجع للمشكلة الاقتصادية او الوطنية بل هي وسيلة، اما الحل الحقيقي فهو في استخدامها لتطوير المجتمع عن طريق تطوير كل فئاته الاجتماعية وبشقيه الرجالي والنسائي على السواء، فهي عملية متواصلة يتم بناؤها على درجات ومراحل، منها ايلاج النصف المعطل من المجتمع في العمل السياسي وتأهيل الجميع لقيادة عملية التنمية، ولعل اول شعاراتها هو استئصال الفوارق بين المواطنين، وارساء قواعد الجدارة والاستحقاق بينهم جميعاً على قدم المساواة. ولعل من محاسن فكرة الاستجواب المقدم انه يتيح للجميع مناقشة ما هو مطروح، ومقارعة الحجة بالحجة والاحتكام الى ميزان العقل، حتى لا نصحو كمجتمع يوماً على كابوس.. في عز الظهر! ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون ـ الكويت