نحن نكتب لأن وظيفتنا أن نكتب وان نعلق الجرس، أما من يقرعه فذلك سؤال آخر قد لا نكون نحن المطالبين بالاجابة عليه، ونحن نكتب لا لنغضب أحداً أو نسعد أحداً، ولكن لننقل صوت الذين منحونا ثقتهم حتى نتحدث نيابة عنهم، ولنمد ايدينا نحو مناطق الخلل والخطأ والتجاوز مطالبين بالاصلاح والتعديل لأن بلادنا تستحق منا الأجمل والأفضل، ولان استمرار الخطأ أو السكوت عليه ليس دليل عافية، ولا يقود إلى تحضر أو تطور بقدر ما يهدم ويخرب ويعرقل جهود التحديث والتطوير والتنمية. نحن نكتب في الامارات عن بعض ما نعانيه من مشاكل وازمات حياتية تأتي نتيجة الاخطاء وسوء أداء العمل، وحينما نكتب فنحن نبحث عن غدٍ أجمل، ونتطلع لمجتمع أفضل وإنسان أفضل، وأداء للعمل أفضل، فنفاجأ بأننا لسنا الوحيدين في هذا التطلع، وانما يشاركنا آخرون ـ تأتينا رسائلهم من آخر الدنيا لتقول لنا بأن لدينا ما عندكم، وربما لدينا الاسوأ من حيث الطرق والامكانيات، لكننا تجاوزنا عنق الزجاجة بفرض هيبة القانون والزام الناس بالمعرفة وتحصينهم بالوعي المفضي لتجاوز السلبيات ومظاهر الاستهتار. فمن النرويج جاءتني البارحة رسالة عبر البريد الالكتروني من قاريء عربي مقيم في هذا البلد البعيد جداً، تعليقاً على موضوع الطرق والوعي المروري ورخص القيادة المعقدة في السويد، محاولاً المقارنة بينها وبين النرويج حيث يقيم باعتبارها من دول المجموعة الاسكندنافية المتجمدة، فهو يؤكد بأن شوارع النرويج ولأسباب تعود لطبيعة هذا البلد تتعرض لهزات ينتج عنها وجود الكثير من التشققات والحفر، فتصبح الشوارع وكأنها مرقعة لكثرة التبليط بالأسفلت، هذا إضافة لكونها جبلية وضيقة ولم تتغير منذ مئة عام، ومع ذلك فالحياة لها احترامها تحت مظلة القانون المتبع والمرعي والسائد على الجميع بكل دقة وصرامة. طبعاً نحن نحمد الله ان شوارعنا منبسطة وواسعة وحديثة، وذات مواصفات قياسية قلما تتوافر في الكثير من شوارع مدن العالم، ومع ذلك فإن السويد والنرويج لا تشهدان نسب الحوادث التي نشهدها نحن على طرقاتنا المثالية، لان القضية ليست شوارع واسفلت واضاءة وخطوطاً بيضاء وصفراء واشارات مرور، القضية في الانسان الذي يتعامل مع هذه المعطيات والمواصفات القياسية العالمية، فطالما انعدم الوعي بقيمة الاشياء، وبقيمة الحياة، وبهيبة القانون، فإن كل مظاهر الرقي والغنى والوفرة والرفاه لن تقود إلى بناء حضارة، أو خلق بشر متحضرين! الحاجة والمعرفة هما الطريقان الاكيدان نحو الوعي، وما لم نشعر باحتياجنا الملح والاكيد للعمل وللقانون، ولاحترام قيمة الحياة ولاحترام ذواتنا، والارتقاء بأنفسنا ومجتمعاتنا، ولتأسيس تراكم حضاري عبر الزمن، فاننا لن نحقق شيئاً مما نسعى اليه، وعليه فإننا وبعد ان اكملنا بناءاتنا الاساسية التحتية من اسمنت وعمارات واسواق وشوارع وبنى على أعلى المستويات، يتوجب علينا ان ننظر الى الانسان الذي سيستخدم كل هذا ويسخره لمسيرة التطوير، هذا الانسان الذي علينا ان نحترم حقوقه ونعلمه كيف يحترم حقوق غيره، وان نوعيه ونجعله يعي ما له وما عليه.. ذلك لا يتم في يوم أو يومين أو عبر طريق واحد، انه يحتاج لزمن واجيال وبكل الطرق.