لم تكن كلمة «غويف» وهو اسم الشجرة الشيطانية التي تكافحها بلدية رأس الخيمة منذ فترة في محاولة للتخلص من الأمراض التي تنشرها نتيجة انتشار الشجرة في كل مكان وبين البيوت. لتحل مكان كلمة «الغاف» وهو اسم الجمع لشجرة طيبة نأكل منها ورقها بعد تقطيعه وطحنه بسكين حادة. إلا أن الأمر التبس عليّ بشكل كبير وأنا أهذي بالكلمة طيلة ذلك اليوم. لا أسوق هذا مبرراً لكلمة «غويف» التي استخدمتها في مقالة سابقة لتعكس الأمر رأساً على عقب وتظهرني وكأني من بلاد الواق واق وكأني من جزيرة لا نبت فيها ولا زرع ولتظهرني وكأني انتقد مشروع بلدية رأس الخيمة وهو مشروع يهدف الى حماية الناس من أضرار الغويف وليس الغاف. لا أسوق هذا تبريراً لسيطرة مفردة من مفردات لهجتنا المحلية التي تندثر اليوم على ألسنتنا بعد دخول سيل من المفردات الغريبة والعجيبة صرنا نستخدمها دون وعي ودون إدراك لكنها تشكّلت على ألسنتنا المستعمرة هي الأخرى بخليط لهجات ولغات.. لدرجة أن المقيم عندنا صار يكلمنا ونكلمه لا بلهجته ولغته ولا بلهجتنا ولغتنا.. بل صارت لدينا لهجة ثالثة وسيطة يشترك فيها الكل من مواطنين ومقيمين، بل الأدهى من ذلك ان المقيم أو الزائر الذي يفترض ان يتعرف على جماليات لهجتنا وأسرارها فقد هذه الفرصة، واعوج لسانه هنا ليكلمنا ويكلم الشارع بذلك الخليط العجيب. أيضاً هذا ليس مبرراً لاسم الشجرة الذي عكس المعنى وقلبه. لكن السؤال الآخر الذي يراودني هو: كم تهذي عقولنا الباطنة بأسماء وكلمات في دلالاتها وإشاراتها تسكين لها في الذاكرة. كم مرة يذكر اسم الخرتيت الفاشل المريض «شارون» على ألسنتنا؟ وكم مرة في اليوم تذكر إسرائيل؟ صرنا في حقيقة الأمر نلوكها لوكاً كما نلوك لقمة العيش في أفواهنا. نذكر اسم شارون وبعض المحطات تقول السيد شارون في حواراتها المباشرة مع مسئولين في الحكومة الإسرائيلية العدوة.. وصار ذلك شيئاً اعتيادياً. نذكر اسم هذا الطاغية المجرم في اليوم أكثر مما نذكر أسماء رؤسائنا، وصار لثغة دائمة في الأفواه، ليس لأننا نريد ذلك ونهواه ولكن لأننا أبتلينا بلوة «أيوب».. قرحة لا ينتهي قيحها من تسميم أبداننا. في ضحكة مسبوقة بجملة ماكرة يغلفها شعور بالإحباط الكبير قال أحد الأصدقاء ذات مساء: من منكم يتخيل حالنا العربي لو لم يزرع الاستعمار سرطان الصهيونية في كبد العرب؟ وماذا يمكن أن نكون عليه لو اننا لم ننشغل باحتلال فلسطين ولم يطرد أهلها منها؟ وأردف دافعاً كل المخيلة باتجاه ذلك الزمن البعيد في الذاكرة المزكومة بغبار الموت والبارود.. هل كنا سنتفرغ للتفكير بشكل جيد ونتفرغ للتحديث والتطوير ونبلغ بالأمة العربية مبلغ الصدارة؟ هل كنا سنصل القمر والمريخ قبل الأمريكان والروس؟ وهل كنا قد قضينا على كل مناطق الأمية والفقر في عالمنا العربي وأغرقنا العالم بأسره بثقافة التسامح والسلام وعلمناهم كم هو الشرق وهذه الصحراء قادرة على ولادة الفرسان المسالمين الطيبين. في ذلك المساء كان التفكير مختلفاً يذهب باتجاه محطات الماضي، والسؤال الأهم: لماذا سعى الاستعمار للقضاء على عذرية الحالة الطبيعية لتطورنا الطبيعي؟ هل من أحد يخشى أن نكون؟!