يحكى أن العملاق الجبار كان يجوس خلال الديار باحثا عن خصوم وأعداء في أعقابه كان يمشي الموكب المعتاد من الأقزام الصغار.. يهدرون ويشتكون ويزيدون الأمور تعقيدا على تعقيد. كان أسوأهم القزم المسمى «أورو» لأنه كان لا يفتأ يطرح تساؤلات ويثير قضايا وطروحات وكأنه واحد من حكماء الزمان الغابر.. ومن ذلك مثلا سؤال: ـ قل لي يا جناب العملاق «يوسا» المغوار متى يكون العدو.. عدوا؟ ورغم أن حبال الصبر كانت قد نفدت من جعبة «يوسا» إلا أن العملاق تمسك بآخر حبل منها كي يجيب على السؤال الخطير بمنطق الشرح والتفسير.. قال: اسمع يا أورو الصغير: هناك خمسة أنواع من الأعداء.. أولهم ذلك الذي يكون قد هاجمك وثانيهم ذلك الذي يكون قادرا على أن يهاجمك وثالثهم من يمتلك القدرة والامكانات لكي يهاجمك والرابع من يهدد بأن يهاجمك وآخرهم من هو عدو صديقك أو من هو صديق عدوك. هنالك سأل أورو القزم الضئيل: ـ إذن فكل امرئ في هذا العالم إما عدو أو صديق. ـ لا.. هناك من البشر من ليسوا شيئا مذكوراً لا في العير ولا في النفير.. والمشكلة أن الصديق الحميم يمكن أن يتحول في أي لحظة الى عدو خصيم. وعلينا أن نكون على حذر في أي وقت وحين. ـ فهل يمكن للعدو أن يصبح صديقا؟ ـ أحيانا.. لكن مع بعض الاقناع. ـ قل لي يا عملاق الكوكب.. ما هو الاقناع بالضبط؟ ـ الاقناع الودي أمر ميسور.. لكن الدفاع عن النفس له تكاليف. ـ يا لها من حياة صعبة باهظة الثمن يا «يوسا» العملاق: ما بين الاقناع والدفاع عن النفس. ـ معك الحق أيها القزم الحكيم «أورو».. لكنها المسئولية والواجب الثقيل لابد أن ينهض به أحد. ـ المشكلة.. ولا تزعل مني أرجوك ـ أن بعض أصدقائي ـ وهم بدورهم أقزام صغار يظنون أن عمليات الاقناع التي تقوم بها سيادتك.. ما هي إلا عمليات دفاع عن النفس ولكن بوسائل أخرى. ـ دعك من هذا الهراء.. إنك يا أورو كنت عملاقا في يوم ما ولو بين جماعة الأقزام وكان لك أخلاق قط انتهازي شرير وبهذا زدت في الغنى والعافية وأصبحت من فئة القطط السمان.. ولم تتبدل أحوالكم إلا بعد أن شرعتم في التناحر حتى قتلتم بعضكم بعضا.. وبالملايين. ـ بصراحة.. لولا ما كنا فيه لما أصبحت أنت شخصيا على ما انت عليه. ـ معك حق.. كنتم الأستاذ وكنت التلميذ وقد تعلمت منكم شخصيا كيف يتفوق التلميذ على الأستاذ.. وها انذا وقد أصبح العالم كله تلميذا.. وأنا.. ولا فخر الأستاذ.. ـ وبالتالي ـ خذ بالك ـ سوف يتفوق هذا العالم عليك يوما.. على نحو ما يفعل كل تلميذ. ساعتها.. أربدت سحنة العملاق «يوسا» وأردف قائلا بغضب: ـ أمرك عجيب يا أورو.. كم أسأل نفسي أحيانا.. أنت صديقي حقا.. أم أنك صديق لأعدائي؟ ـ الحاصل أننا نحن الأقزام نفكر في اصدار اعلان بالاستقلال. ـ استقلال عن ماذا؟ ـ عن جنابك.. اعلان استقلال نفساني لصالح الأورو.. ـ هذا جنون. ـ هذا بالضبط جزء أو بند من الاعلان المذكور وبغير استفزاز أو توتر سوف تقوم باعادة تعريف الجنون وكم فعلنا ذلك من قبل حين كنا زمان في موقع الريادة وعند دفة القيادة. ـ فكيف بكم لو أعلنت من جانبي أنكم أعدائي. ـ نحاول معك حكاية الاقناع.. وبطريقة ودية يا سيد يوسا. ـ اقناعي بماذا؟ ـ بأن ليس بوسعنا أن نستمر معك على هذا الحال الى ما لا نهاية.. نصغي كل يوم الى ما تردده حول امبراطوريات الظلام ومحاور الشر المارقة وتقسيم الكوكب الى نحن.. و.. هم.. لا يمكن أن تشكل هذه المقولات كل مستقبل البشرية بأسرها في زمن القرن الحادي والعشرين بأسره بل وما بعده. ـ أنتم مجانين. ـ بالقطع نحن لا نتصور أننا مجانين.. كل ما هنالك أننا نحن صنف الأورو ـ الأقزام من توابع العملاق كنا في غفلة من نومنا.. خمسون عاما مضت ونحن في حال من الشلل بفعل نوبة غشيتنا من الجنون ومن الشعور بالعار والاحباط.. ولكن ها نحن أولا وقد عدنا نتذكر شيئا كنا قد نسيناه.. اننا رغم كل شئ نملك أفئدة لدينا وعقولا.. قال الراوي: ولا ندري هل عمد القزم «أورو» الى تسديد عينيه محدقا في عين العملاق «يوسا».. ولكن الذي ندريه أن أورو واصل الحديث في نبرات غريبة اختلط فيها الجنون بالتصميم.. والأسى بالندم قائلا: ـ علينا أن نبدأ التفكير من جديد.. نفكر في كل شئ قلته لنا يا عزيزنا يوسا العملاق نفكر في حكاية اللعبة التي اسميتها ديمقراطية واللغو الكثير الذي قلت أنه رأسمالية دع عنك ما نشرته في ربوعنا وصككت به أسماعنا حول نهاية.. بداية التاريخ وما الى ذلك من نظريات ومقولات وفكريات وطروحات ونحن ندرك أن التفكير.. مجرد استخدام القول المنكر ليس بالأمر السهل ولا المهمة الميسورة.. ولكننا نعرف أن هناك من ينبغي أن يقوم بهذه المهمة.. و.. هذا ما كان من أمر القزم «أورو» مع العملاق (العولمي) «يوسا».. في حكاية رمزية قد تكون قد حدثت بالفعل وقد لا تكون.. والموعظة المستفادة هي: أنه حتى البشر الأصغر حجما، والأقل شأنا.. يملكون أحيانا عقولا كبيرة لا يستهان بها بحال من الأحوال. وبعد.. عزيزنا القارئ الكريم. فقد روينا لك الحكاية الرمزية أو الخرافية.. ونحسب أن لا فضل لنا في الرواية اللهم إلا في محاولة تعريبها في ترجمة حرصنا على أن تكون من أدق وأقرب ما يكون من النص الأصلي في الانجليزية. والأمر ـ كما لعلك لاحظت ـ أمر جد وما هو بالهزل.. فالحكاية منشورة في جريدة هيرالد تربيون انترناشونال ـ عدد 3 مارس الجاري وقد اختار لها كاتبها عنوانا يقول: ـ العملاق.. والأقزام: حكاية في زماننا والكاتب رجل محترم ومفكر رصين وهو البروفيسور الانجليزي «فيليب اللوت» استاذ القانون الدولي العام في جامعة كامبردج البريطانية على سن ورمح كما يقولون. ونحسب أن الحقوقي البريطاني الكبير كان يعبر في حكايته الرمزية ـ الخرافية هذه عن مشاعر الصفوة من أوروبا (القزم أورو) إزاء غرور وعنجهية القوة مما أصبح يشوب مسلكية الولايات المتحدة (العملاق يوسا.. يو. إس.. إيه في أصل تسميتها) وتلك دلالات مبطنة نعم ولكنها واضحة من سياق المتن الذي ترجمناه.. وهو وضوح يتوقف بالطبع على الثقة في أن كل لبيب بالاشارة... الى آخر ما يعد به البيت الشهير من شعر اليعاربة القديم.