تشكل مبادرة الأمير عبدالله ولي العهد السعودي نموذجاً ايجابياً للجرأة الأدبية، ففي الكر أو الفر وفي الهجوم أو الدفاع هناك مباديء يجب مراعاتها، وفي الأمم الكبيرة أم الصغيرة في مواجهة حدة التغيرات أو سخونة المواقف هناك شجاعة يجب ان تتوفر للقائد. هذه الشجاعة هي التي تميز مسألة القيادة في المواقف وفي الساحات، وبدونها تفقد القيادة معناها وأساسها. فبينما من شروط القيادة الرحمة من جهة والرؤية من جهة ثانية، إلا ان الشجاعة في اتخاذ القرار والمبادرة تمثل عنصرا رئيسيا في ثالوث القيادة. وهذا ما تؤكده تصريحات الأمير عبدالله في مؤتمر القمة الخليجي الأخير، وهذا ما تعود وتؤكده ايضا تصريحاته حول التطبيع مع اسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة. لقد تحدث الأمير عبدالله مع توماس فريدمان، وهو أحد أكثر الصحفيين الامريكيين تأثيرا في الولايات المتحدة، وكتاباته تكاد تصل لكل مدينة امريكية من خلال اعادة نشرها بعد نشرها في الـ «نيويورك تايمز»، ففريدمان كاتب مقروء أمريكيا وعالميا بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، وهو كاتب مؤثر بغض النظر عن وجهة نظره، وتقرأه النخبة السياسية الامريكية، كما ويقرأه الجمهور الأوسع. إن المسألة الرئيسية في التحدث مع فريدمان هي في محاولة تعريفه على أبعاد جديدة وفي الوقت نفسه السعي للوصول الى جمهوره، هذا هو المراد الأساسي من اللقاء ومن الطرح ومن اختيار الكلمات. وتأتي قيمة اللقاء كون فريدمان كتب الكثير من المقالات التي انتقدت المملكة بشدة، خاصة بعد الحادي عشر من سبتمبر، كما ان توماس فريدمان يدين باليهودية، وفي هذا مغزى كبير، فالقيادة السعودية من خلال الأمير عبدالله وفي اطار الأجواء السياسية والثقافية في المملكة تؤكد هنا انه لا مشكلة لها مع اليهود كدين أو كأفراد، وانه بالامكان بناء الصداقة والتفاعل الانساني والسياسي. ويؤكد اللقاء في الوقت نفسه تعامل المملكة الايجابي مع من انتقدوها، فالنقد مفيد للحوار ولتصحيح وجهات النظر واحيانا السياسات، والانطباع العالمي عن المملكة هو عدم تقبل النقد دوليا وايضا داخليا. في هذا أكد الأمير على سعة صدره وفي هذا استوعب جيدا أهمية امتصاص شيء كبير يطرح في الساحة الامريكية والعالمية بخصوص الاسلام والمسلمين وبخصوص المملكة العربية السعودية بالتحديد. في هذا سجل الأمير عبدالله عدة أهداف لصالح المملكة والقضية الفلسطينية وتحول لقاؤه ثم تصريحه الى خبر تنقله وكالات الانباء وكبريات الصحف في العالم الغربي وفي الولايات المتحدة. ومن جهة أخرى، نجد ان الأثر المباشر لتصريحات الأمير في خدمة القضية الفلسطينية تتمحور أساسا في دعوة الاسرائيليين لتميز مواقفهم، فهناك تيار كبير في اسرائيل لا يريد التطبيع مع العالم العربي وهو مقتنع بأن الحرب والتوسع هما وسيلتاه، ويرى هذا التيار المتطرف بأن العالم العربي عالم ضعيف ومفكك وانه بالامكان هزيمته في موقع هنا وموقعة هناك، وان العالم العربي تراجع كثيرا في قوته الاقتصادية وان التنمية قد توقفت. يرى هذا التيار الاسرائيلي ضرورة الحرب كل عقد لاعادة عقارب الساعة الى الوراء، ويرى ان الثمن الذي يدفعه لعمل هذا يبقى صغيرا نسبة لثمن السلام الأكبر الذي يفرض انسحابات وتراجعات وربما تفككا داخليا وتراجعا في العلاقة الحميمة مع يهود العالم، فاسرائيل بلا حالة حرب تختلف عن اسرائيل في حالة حرب في علاقاتها بيهود العالم. إن دعوة الأمير عبدالله لانسحاب اسرائيلي يقابله تطبيع عربي هي دعوة لتقوية تيار اسرائيلي يستطيع ان يقول لبقية الاسرائيليين بأن هناك طريقاً آخر غير طريق الحرب والاحتلال، انها دعوة موجهة لتيار السلام في اسرائيل لتحمل مسئولياته تجاه المستقبل وهي بالتالي محاولة لتطويق تيار الحرب الاسرائيلي. في هذا أصاب الأمير عبدالله، وتقع عليه الآن مسئولية متابعة الطريق الذي بدأه. ـ أستاذ في قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت