ما الذي حصل حتى أدركت واشنطن أهمية انغماسها من جديد في السعي لوقف المجزرة التي تقودها حكومة شارون ضد الشعب الفلسطيني؟ هل هي مبادرة وليّ العهد السعودي؟ هل هي زيارة الرئيس المصري لواشنطن؟ هل هي الصرخات الدولية المتعدّدة المصادر، والأوروبية تحديداً، من أجل وقف العنف الدائر في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ أعتقد، رغم أهمّية هذه الاحتمالات، أن أياً منها لم يكن هو السبب الرئيس لعودة الروح للتحرّك الأمريكي بشأن الشرق الأوسط. وليس السبب طبعاً هو ضغوط أمريكية داخلية على الإدارة من أجل التحرّك، فالداخل الأمريكي مشغول بهمومه الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تتفاعل منذ أحداث 11 سبتمبر الماضي، وهو (أي الرأي العام الأمريكي) ما زال ضحية مواقف رسمية أمريكية وإعلام أمريكي متهود ينظران معاً إلى التصعيد العسكري الإسرائيلي وكأنه حالة مشابهة للحالة الأمريكية مع أفغانستان، أي حالة الدفاع عن النفس وملاحقة الإرهابيين، ويحمّلان السلطة الفلسطينية السجينة في مكاتبها، والملاحقة بالدمار في مقرّاتها، مسؤولية حلّ الصراع ووقف دائرة العنف. القراءة الحالية للتحرّك الأمريكي أجدها واضحة في سياق المشروع الأمريكي للمنطقة الذي يريد الانتقال الآن من أفغانستان إلى العراق، لكن جسر العبور إلى المسألة العراقية هو الملف الفلسطيني حيث لا تستطيع واشنطن تحريك الأوضاع في العراق ما لم يتمّ تجميد الأوضاع على الساحة الفلسطينية. لذا أعتقد أن واشنطن قد تسعى لتوظيف المبادرات والجهود العربية والأوروبية بشأن الأوضاع الفلسطينية من أجل تمهيد الطريق للعبور إلى الملف العراقي. فبينما سعت إسرائيل لأخذ مبادرة وليّ العهد السعودي إلى أكثر مما تقصده المبادرة، أي إلى طلب إعداد لقاءٍ سرّي بين شارون ووليّ العهد السعودي (كما أذاع ذلك الرئيس مبارك) ، سعت واشنطن إلى التقليل من مضمون المبادرة بجعلها ترتبط فقط بالملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي وبأن التطبيع العربي الشامل مع إسرائيل يمكن أن يتحقق بمجرّد الاتفاق على إعلان دولةٍ فلسطينية تفاوض على حدود الانسحابات الإسرائيلية (كما أشارت إلى ذلك تصريحات الرئيس الأمريكي بوش يوم 7/3). فالتحرّك الأمريكي الآن بشأن الملف الفلسطيني سيبني على ما جرى طرحه من مبادراتٍ عربية، لكن من أجل خدمة مشروع أمريكي شامل للمنطقة ككلّ. كيف؟ ربما من خلال المراحل التالية: مرحلة أولى: إرسال الجنرال أنطوني زيني للمنطقة (بعدما امتنعت واشنطن عن إرساله في الفترة الأخيرة بحجّة أنه لن يذهب ما لم يتحقق هدوء أمني ) من أجل التمهيد لإنجاح زيارة نائب الرئيس الأمريكي تشيني حيث من المحتمل هنا أن يتبنّى تشيني مبادرة الرئيس مبارك بدعوة شارون وعرفات للقاء في شرم الشيخ (بحضور مبارك وتشيني) من أجل الاتفاق على وقف أعمال العنف والبدء بتنفيذ خطة جورج تنت. مرحلة ثانية: استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وفق مراحل خطة جورج ميتشل، مع احتمال إعلان «الدولة الفلسطينية» على الأراضي الخاضعة (اسمياً الآن) لمسؤولية السلطة الفلسطينية، وذلك وفق المشروع الذي أعدّه وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز مع «أبو العلاء» منذ عدة أسابيع. وستكون من مسؤولية «الدولة الفلسطينية» التفاوض - على مدى طويل- مع إسرائيل بشأن حدود الانسحابات الإسرائيلية من الضفة وغزة إضافة إلى قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والعلاقات الثنائية. المرحلة الثالثة: تنعقد القمّة العربية في بيروت وسط هذه الأجواء «الإيجابية المشجّعة» ، وتكون المبادرة السعودية المرحب بها الآن عربياً ودولياً هي «السقف السياسي» لما هو مطلوب عربياً من إسرائيل والولايات المتحدة، لكنْ مع سعي أمريكي لإعادة الروح إلى «لجان التطبيع» المتعدّدة التي انبثقت عن مؤتمر مدريد دون انتظارٍ لنهاية المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، وبضغطٍ أمريكي لمشاركة السعودية أيضاً في هذه اللجان. أي ستعمل واشنطن على تنفيذ جانبٍ من المبادرة السعودية (وهو التطبيع مع إسرائيل) مقابل عودة الهدوء إلى الأراضي الفلسطينية وإعلان «الدولة الفلسطينية»، وليس مقابل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من كلّ الأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك الضفة وغزة والقدس والجولان. فالسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تتمسك بأسسٍ لم تتغير مع تغيّر الإدارات والحكومات منذ معاهدة كامب دافيد بين مصر وإسرائيل منذ أكثر من ربع قرن، وهي أسس تقوم على: ضرورة المفاوضات المباشرة بين العرب وإسرائيل كأسلوبٍ وحيد لحل الصراع. الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقاتٍ معها، حتى قبل التوصّل لاتفاقياتٍ نهائية على المسارات كلّها. وضع حلول بشكل اتفاقاتٍ ثنائية منفردة وشرذمة المواقف والمسارات العربية. بقاء واشنطن المرجعية الأولى للاتفاقات مع دور «فولكلوري» للأمم المتحدة. وتريد واشنطن الآن إعادة الاعتبار لهذه الأسس ولما تحقق أولاً بين مصر وإسرائيل ثم بين منظمة التحرير وإسرائيل ثم بين الأردن وإسرائيل بعد مؤتمر مدريد، كما تريد واشنطن إنهاء أية حالة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي وجعل أسلوب التفاوض مع إسرائيل هو الأسلوب الوحيد المتبع في المنطقة رسمياً وشعبياً، وطبعاً في ظل التفوّق العسكري الإسرائيلي. واشنطن تريد من العرب فقط أن يحملوا «غصن الزيتون» وتريد من ياسر عرفات الذي وقف عام 1974 في مقر الأمم المتحدة مبشّراً العالم أنه يحمل في يدٍ غصناً للزيتون رغم أنه يحمل في اليد الأخرى بندقية، تريده واشنطن الآن فلاحاً يزرع أشجار الزيتون ويحمل أغصانها فقط ولا تقبله أبداً كقائدٍ لحركة تحرير وطني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وربما له في أقصى الحالات - بمنظور واشنطن ورغبتها- أن يرفع «معول الفلاحة» ضد من يأبى من شعبه حمْل أغصان الزيتون التي يزرعها. ولعل أفضل وقتٍ تتحرّك فيه واشنطن في منطقة الشرق الأوسط هو حينما تكون هذه المنطقة مزيجاً من «إفلاس سياسي» إسرائيلي مع «إفلاسٍ عسكري» عربي. وهاهي الآن هذه المنطقة تشهد قمّة التصعيد العسكري الإسرائيلي مع قمّةٍ عربيةٍ مليئة بالمبادرات السياسية. ـ مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن