من تداعيات زلزال الحادي عشر من سبتمبر الماضي على الفكر العربي اننا بدأنا نرى ونسمع في وسائل اعلامنا القليلة المتمتعة بسقف مرتفع نسبياً من طلاقة التفكير أصواتاً وأصداء جريئة تضع واقعنا موضع النظر والتحليل وتقترح العلاج المفيد والاستعجالي للتردي الراهن.ولعل من رحمة الله بنا ان وهبنا محنة تاريخية تهز أركان القديم البالي من الأفكار المعلبة الجاهزة تعيد ترتيب الأولويات العربية قبل فوات الأوان. وزادت الأحداث العالمية على محنتنا العربية فأضافت الأمثال التي يضربها التاريخ المعاصر لنا عسانا نعتبر، مثل ما جاءنا من الاتحاد الأوروبي وهو يدخل بثلاثمئة مليون مواطن أوروبي عصر العملة الموحدة «اليورو» بشجاعة وحماسة وتخطيط، رغم ان هذه الشعوب تتكلم 12 لغة وطنية ولها 12 عملة نقدية وتعتنق مذاهب وأدياناً شتى وتاريخها مشحون بالبغضاء من جراء ثلاث حروب أوروبية عالمية في ظرف قرن واحد: 1870 ـ 1914 ـ 1945. ولم يكن ذلك ممكناً لولا تمسك الشعوب الأوروبية على مدى خمسين عاماً بنعمة العقل ونعمة الديمقراطية وهاتان النعمتان هما اللتان أتاحتا دول المؤسسات الراسخة والتداول السلمي على السلطة، والتنازل عن مظاهر السيادة الوطنية لصالح السيادة الاقليمية الموحدة وقبول الاختلاف في الرأي كأمر عادي بل ضروري للنهضة بالمجتمعات من خلال وسائل التعبير الشرعية التي يرعاها قانون عادل وغير مسيس. هكذا توحدت أوروبا وتفرقنا نحن، ولنذكر بداية الستينيات حين كانت ثلاثة شعوب أوروبية هي اسبانيا والبرتغال واليونان ترزح تحت نير دكتاتوريات حيث كان الجنرال فرانكو يحكم اسبانيا بيد من حديد وكان الجنرال سالازار يحكم البرتغال خارج اطار المؤسسات الدستورية وكان العقداء الكولونيلات يسيطرون على السلطة في اليونان بعد الاطاحة بالملك. واجتمعت اوروبا كلها في خطة سياسية وإعلامية وثقافية لتخليص هذه الشعوب الثلاثة من وصمة الدكتاتورية، فاعتلى الملك خوان كارلوس عرش اسبانيا وأدخل بلاده إلى خريطة الديمقراطية وقامت ثورة برتغالية على الديكتاتور سالازار وجاءت بالاشتراكي الديمقراطي ماريو سواريس إلى الحكم، كما وقع أول انقلاب مدني على العسكر اليونانيين لتحل محلهم جمهورية ديمقراطية. وبدأت أوروبا تلحق هذه الدول الثلاث بمنظومة الاقتصاد الحر والسوق الأوروبية المشتركة وهبت ريح الحريات على كل أوروبا إلى درجة التأثير القوي والنافع على دول أوروبا الشرقية التي كانت تحت نير تأثير الاتحاد السوفييتي فأصابتها عدوى الحريات وتحررت وانتفح لها باب الاتحاد الأوروبي الذي سيتحول من خمسة عشر عضواً إلى خمسة وعشرين خلال السنوات المقبلة، تضم 450 مليون مواطن وتطمح إلى ان يكون اتحادها ـ أي الاتحاد الأوروبي ـ أقوى دولة على وجه الأرض اقتصادياً وثقافياً، وربما سياسياً وعسكرياً في حالة تدهور حالة الحضارة الأمريكية وانحسار هذه الدولة العظمى «الواحدة» إلى حدودها التاريخية القديمة قبل انفرادها بالعظمة. وعلى ضوء هذه العبر التي قال عنها الإمام علي كرم الله وجهه: ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار ـ على ضوئها الساطع لابد ان نفكر ونستعمل البصيرة إلى جانب البصر، كما فعلت أوروبا حيث أجمعت ـ بالانتخاب ـ على اختيار الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان رئيساً لفريق من المفكرين والمخططين والساسة الأوروبيين بقصد اعداد مشروع دستور أوروبي موحد ومؤسسات دستورية أوروبية موحدة حتى يقطع الاتحاد خط الرجعة إلى الوراء، وينطلق نحو صناعة التاريخ. فهل كتب علينا نحن العرب ان نظل خارج منطق التاريخ، خائفين مترددين أمام موجات التغيير القادمة، نصر على ان نحرس بوابات قلاعنا القديمة المتهالكة خوف الهواء النقي. وهل نحن أيتام أو لقطاء تاريخ حتى تهملنا الحضارة ويجافينا التاريخ.. لا بل علينا ان نعيد قراءة تراثنا المجيد بعيون أخرى حسب فقه الأولويات والمقاصد فنلغي من برامجنا التربوية وأدبياتنا مظاهر التكفير والعنف والغاء الآخر لندرس روائع الفكر العربي الاسلامي المتحرر بفضيلة العقل، أي نعوض التكفير بالتفكير، وكم عانينا من خزي التكفير الديني والسياسي فأعلن البعض ان البعض الآخر خارج عن الملة أو مارق عن الدين أو صائد في الماء العكر أو في قلبه مرض أو تحركه أياد خفية.. إلى آخر هذه المصطلحات التي كانت أدوات قمع والغاء وسجن ونفي ومشانق، وبالطبع في ظل بعض مظاهر القمع الرسمي ولدت حركات العنف الديني والسياسي حين أوصدت أبواب التعبير السلمي عن رأي مخالف أو نصيحة صادقة أو اسهام شريف في اطار المواطنة، وفتح الغرب أبوابه للمنفيين ومنهم المصلح والمسيء ومنهم المعتدل والمتطرف، ومنهم المهتدي والضال، حتى ضج الغرب بإيواء تناقضاتنا العربية وصراعاتنا الداخلية وكوارثنا العقائدية عوض ان نقوم بمواجهتها وحلها داخلياً وفي منظومة شفافة من الديمقراطية والشورى ودولة القانون. أما إذا ما ضللنا الطريق وركبنا موجة المنطق العولمي الجائر المنادي جهراً بالتخلي عن الهوية الاسلامية واعتبار الحركات المقاومة للاستعمار والاحتلال حركات ارهابية فإننا سنأتي جُرماً حضارياً كبيراً. يجب ان نختلف اختلافاً جوهرياً عن الرؤية الغربية العنصرية القاصرة التي تعتبر مقتل الوزير الاسرائيلي زئيفي جريمة ارهابية ومقتل الزعيم الفلسطيني أبوعلي مصطفى عملاً مشروعاً لمقاومة الارهاب، أو التي تعتبر الهجوم على البرجين عملاً ارهابياً ـ وهو كذلك بلاشك ـ وقتل 650 ضحية في قلعة جانجي بأفغانستان عملاً بطولياً طبيعياً لمقاومة الارهاب ـ وهو ليس كذلك على الاطلاق ـ وبالموازاة مع التعلق بأصول الهوية، علينا الانفتاح على العصر بثقة في النفس وفي القيم وبشجاعة على اعادة النظر في منطلقات ثقافتنا واعلامنا وغايات مجتمعنا ومصب حضارتنا حتى يعود لحضارتنا اشراقها وتوهجها وأساسها الحي في الحضارة الانسانية كما كانت في عصورها الذهبية. ولقد سعدت بما أصبح يتردد في مؤتمرات القمة (العربية والخليجية والاسلامية) من دعوات للنهضة الحقيقية القائمة على التوازن الجدلي المبارك بين العقل والنقل. وفي ذلك أحد مفاتيح الفتح المبين، فتح النهضة العربية الاسلامية الشاملة. ـ أستاذ الإعلام في جامعة قطر