الكارثة الأخلاقية في المجتمعات الغربية تطوّرت على النحو التالي: أولاً فصل الدين عن الدولة.. وفي مرحلة لاحقة فصل الدين عن العلاقات الاجتماعية.. وأخيراً إسقاط الدين نهائياً كمرجعية نهائية للقيم الأخلاقية. وعندما يبلغ مجتمع ما هذه المرحلة الأخيرة فإن أي حدود فاصلة بين الحريات الفردية والقيم الأخلاقية تتلاشى، فيصبح تحديد المباح والمحظور مسألة تقدير ذاتي فتتضارب التقديرات المتناقضة على مستويات الأفراد والجماعات وتعم الفوضى الأخلاقية. أطرح هذه المقدمة لأروي قصة إخبارية تناقلتها الصحافة الأوروبية مؤخراً بشأن ممارسات الشذوذ الجنسي في المجتمع الغربي. الشخصية المحورية في القصة الإخبارية راهب إسباني. في مقابلة صحفية تحدث الأب جوزيف مانتيرو إلى مجلة اسبانية قال فيها إنه يمارس الشذوذ الجنسي عن «قناعة» شخصية بأن هذا المسلك لا ينطوي على تناقض مع مكانته الدينية، علماً بأن مكانته الدينية كراهب مسيحي كاثوليكي تفرض عليه الصيام عن الجنس على الإطلاق.. حتى لو كان في إطار حياة زوجية. فتعاليم الكنيسة تحظر عليه الزواج كراهب. كيف كان رد فعل الكنيسة على أقوال الراهب مانتيرو؟ انقسم طاقم الأساقفة على أنفسهم: قسم منهم أدان الراهب واعتبروه «شخصاً مريضاً» وطالبوا بإقصائه. والآخرون تعاطفوا معه رغم أنهم لم يشاءوا تبرئته فاقترحوا توقيع عقوبة مخففة عليه. والسؤال الذي يطرح هو: هل كان طاقم الكنيسة لينقسم على نفسه حول مثل هذه القضية لو أن القيم الأخلاقية للديانة المسيحية ظلت قائمة كمرجعية أخلاقية نهائية تشتمل على تحديد ما هو الحلال والحرام وما هو المباح والمحظور؟ إن هذا الانقسام حيال المرجعية الأخلاقية في المجتمع الغربي بين رجال الكنيسة، ما هو في الحقيقة إلا انعكاس لفوضى أخلاقية تنتظم المجتمع بكل قطاعاته بما في ذلك فئات السياسيين والطبقة الحاكمة. فالمقابلة الصحفية التي أجرتها المجلة المشار إليها آنفاً ـ وهي مجلة تخاطب جمهرة الشواذ جنسياً في اسبانيا ـ سبقتها مقابلة مماثلة قبل بضعة شهور مع ضابط كبير في الجيش الاسباني برتبة مقدم هو أيضاً يُمارس الشذوذ الجنسي. وشرح هذا الضابط كيف ان ظاهرة الشذوذ المتنامية في مجتمع القوات المسلحة الاسبانية ينظر إليها برضا من البعض بينما يستهجنها آخرون. وعلى الصعيد السياسي تتجلى صورة الفوضى والارتباك الأخلاقي بشكل أوضح. فالحزب اليميني الحاكم «حزب الشعب» يعارض الشذوذ بينما يؤيده «الحزب الاشتراكي». ولكن عند اقتراب موعد الانتخابات العامة فإن «الاشتراكيين» يخفون شعار مساندة قضية الشواذ. وفي الخلفية يستعر جدال شعبي بين المؤيدين والمعارضين. وكانت النتيجة ان السلطات المحلية في بعض المدن تجيز الزواج بين الشاذين جنسياً بينما يعتبر ذلك مخالفة قانونية في مدن أخرى. ولا تفسير لكل هذه الاضطرابات القيمية وما يتبعها من تناقضات ومجادلات، إلا أن المجتمع الغربي فقد البوصلة الأخلاقية بفقدان العقيدة الدينية كمرجعية أخلاقية ثابتة يحتكم إليها الجميع في كل ظرف زماني ومكاني. لكن فقدان المرجعية الأخلاقية الدينية لم يأت من فراغ. فقد كان تطوراً حتمياً لإسقاط الوازع الديني من العلاقات الاجتماعية باسم الحريات الشخصية، والذي نتج بدوره عن تطبيق شعار فصل الدين عن الدولة. وهذه الحلقات مرتبطة ببعضها البعض بحيث إذا سقطت واحدة منها فإن من المحتم أن تسقط الحلقتان الأخريان. ورغم أن الديانة المسيحية لا تتضمن موجهات سياسية لشئون الحكم كالإسلام، إلا أن ذلك لا يجب ان يعني اقصاء الموجهات الأخلاقية العامة التي تلتقي عندها كل الأديان السماوية على صعيد الحكم، كتحريم الكذب والظلم والاختلاس والفساد بصورة عامة. والذي نراه الآن في المجتمعات الغربية هو أن اسقاط هذه الموجهات الأخلاقية عن شئون الحكم كان في الحقيقة مقدمة لسقوطها على صعيد العلاقات الاجتماعية. في الحالة الأولى كان الإسقاط باسم إبعاد «الغيبيات».. وفي الحالة الثانية كان باسم تقديس الحريات الشخصية. فهل تتعظ مجتمعات العالم الإسلامي؟