لم يكتف وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد بما يقوم به في مؤتمراته الصحفية، التي يبدو فيها مشوشاً وزائغ العينين ومهزوزاً من خلال المعلومات المشوشة التي يقدمها، وانما تبين ان الرجل قرر ان يقوم هو بالدور الذي كان يقوم به جوبلز وزير الدعاية في حكومة هتلر اثناء الحرب العالمية الثانية، وكرس ذلك من خلال «مكتب التضليل الاعلامي» الذي اسسه في وزارة الدفاع والذي ساهمت صحيفة «نيويورك تايمز» الامريكية في كشف امره مما ادى الى اعلان الوزير المهزوز في 27 فبراير الماضي عن اغلاقه. لكن صحيفة «واشنطن بوست» نشرت تقريراً بعد ذلك اكدت فيه على ان مركز التضليل في البنتاجون لم يغلق ولازال يقوم بمهمته، لاسيما وان رامسفيلد اعلن ان امريكا قد كسبت الحرب العسكرية لكنها لم تربح الحرب الاعلامية بسبب الصور التي تبثها وسائل الاعلام العربية، وربما كان هذا الشيء الوحيد الذي يمكن تصديقه في مجمل تصريحات الوزير منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر وحتى الان، فالاعلام الامريكي تم تعريته بالفعل من خلال الصورة الاخرى التي نجحت «قناة الجزيرة» تحديداً حسب التقارير الغربية في تقديمها للمشاهدين في انحاء العالم والتي وقف رامسفيلد امام الكاميرات يكذبها باسلوب فج ومضلل لكن «نيويورك تايمز» كشفت عن حجم الاكاذيب بداية في مقال كتبه بيل كافاتش وتوم روزينستيل مؤلفاً كتاب «عناصر الصحافة.. ما ينبغي ان يعرفه اهل الاخبار وما ينبغي ان يتوقعه الناس» ونشر مقالهما في منتصف يناير الماضي وقد اكدا فيه على ان نسبة حصول المواطن الامريكي على الحقائق قد انخفضت في شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين الى 63% بعدما كانت في سبتمبر 75% وقد استند الكاتبان الى دراسة اجراها «مشروع التفوق في الصحافة» وهو معهد ابحاث على علاقة بجامعة كولومبيا وكانت مصادر البحث هي محطات التلفزة بانواعها المختلفة علاوة على الصحف والمجلات وعلى رأسها نيوزويك ونيويورك تايمز وواشنطن بوست علاوة على اللقاءات والحوارات المتلفزة. المحور الهام في هذه الدراسة والذي توقفت عنده هو ان التغطيات بدأت تتجاوز التقارير الصحفية التي تقوم على سرد الحقائق الى تقارير محشوة بالآراء والتوقعات وخالية من الاشارة للمصادر مما جعل 50% من الامريكيين يعتقدون ان اسلوب التغطية قد انحدر، غير ان الكشف بعد ذلك عن «مكتب التضليل الاعلامي» في البنتاجون كشف عن اسباب تدهور التغطية الاخبارية في وسائل الاعلام الامريكية بل ومساهمتها في حملة الاكاذيب التي يقودها وزير الدفاع الامريكي، وكانت استراتيجية المكتب تقوم بالفعل على بث الاكاذيب دون الاشارة لمصادر على ان يقوم الاعلام بترويجها وهذا ما كان يحدث بالفعل بشكل منتظم منذ شهر اكتوبر الماضي. ولم يقف الامر عند حد وسائل الاعلام بل تخطاه الى السينما حيث يقوم المنتجون الآن في هوليوود من خلال توجيهات مباشرة من الرئيس بوش بانتاج فيلم عن الانتصارات التي حققها الامريكيون على الحفاة العراة الجياع في افغانستان تبرز الامريكيين على انهم مبعوثو العناية الالهية لتخليص العالم من الاشرار لكن من المؤكد ان هوليوود لن تشير الى ان هؤلاء الاشرار من حركة طالبان انفسهم الذين استقبلتهم ادارة الرئيس السابق بيل كلينتون عام 1996 واحتفت بهم مع المسئولين في شركات النفط في هيوستن وتكساس حينما كانت تسعى لمد خط انابيب النفط من اسيا الوسطى الى المياه الدافئة في المحيط عبر باكستان، ولن تشير ايضاً الى ان صحيفة «وول ستريت جورنال» الامريكية البارزة قالت عنهم آنذاك «ان اعضاء حركة طالبان هم القادرون اكثر من سواهم على تحقيق السلام، كما انهم في غاية الاهمية من اجل حماية البلاد التي تعتبر ممراً رئيسياً لشحن كميات النفط الهائلة المصدرة من اسيا الوسطى اضافة الى الغاز والموارد الطبيعية الاخرى». هؤلاء الذين وصفتهم «وول ستريت جورنال» عام 1996 هم انفسهم المعتقلون الان في قاعدة جوانتنامو وهم الذين يطاردون في جبال افغانستان. اما الصوماليون الذين يمثلون هدفاً تالياً للحرب التي قال ديك تشيني نائب الرئيس الامريكي انها يمكن ان تطال اربعين الى خمسين بلداً فقد انتهت هوليوود من انتاج فيلم عن الورطة العسكرية الامريكية بها عام 1993 لكنها لا تتحدث فيه مطلقاً عن تدمير البلاد وانها خلفت وراءها ما يقرب من عشرة آلاف قتيل صومالي وانما ينحصر الفيلم في الدعاية للابطال الثمانية عشرة من الجنود الامريكيين الذين جر اطفال الصومال جثث بعضهم في شوارع مقديشيو. ان هوليوود لا تكذب وحدها ولا تزوّر، وانما وسائل الاعلام الامريكية بشهادة «مشروع التفوق في الصحافة» ووزارة الدفاع باقرار الوزير نفسه والجميع يكذب.. انها ارض الاكاذيب. ـ كاتب واعلامي مصري