ربما كنا نعيش عصر انسحاب المثقفين الحقيقي في العالم كله، ومع ذلك فلا يمكن أن نقارن أحوال العالم. فهناك مازال المثقف يقاوم هذا المصير وعندنا استسلام كامل بلا مبررات. وهناك مازال التمرد الفكري يجد له مكانا، وعندنا تتضاعف وطأة الأسوار ليسجن الجميع في قوالب جاهزة وهناك يرفض المثقفون الحقيقيون هذا المصير رغم الاغراءات ويفتحون معركة ضد العولمة كما يريد أباطرة السوق فرضها، وعندنا يلف الصمت الجميع، وكأنهم مساقون الى قدر لا مفر منه. والأخطر من ذلك أن قضايانا نحن تهز ضمائر المثقفين في أوروبا بل وفي أمريكا نفسها رغم حرب الاعلام القذرة ضدنا ورغم السطوة الصهيونية ورغم مصالح تريد أن تسوق العالم لحرب يستفيد منها تجار السلاح، وتروج لامبراطورية أمريكية بلا ضمير تحقق لهم - بالقوة وحدها - مايريدون من مكاسب. المثقف الحقيقي هناك - في وسط هذا المناخ الفاسد - مازالت اصوات للمثقفين ترتفع - ومازال الضمير يحكم تصرفات المثقف الحقيقي، وقضية فلسطين كانت ومازالت في قلب الحركة الثقافية وبيانات المثقفين في أوروبا ضد المذابح الصهيونية تتوالى، بينما الصمت العاجز هو المسيطر على حركة المثقفين في الوطن العربي، فإذا تكلموا فهي الثرثرة التي تملأ محطات التلفزيون الارضية والفضائية، والتي لا تنعكس على حركة الشارع العربي الغارق في صمت يحسبه الاعداء علامة موت تبرر لهم ان يفعلوا ماشاءوا دون خشية من هذا الشبح القديم الذي أرقهم طويلا حين كان صوته الهادر هو الحصن الذي يحمي الوطن، ويردع العدو، ويجتاز الهزيمة، ويفتح أبواب العبور الى حرية الوطن وحرية المواطن. ما الذي حدث؟ ولماذا ينسحب المثقف العربي والوطن كله في خطر؟ وكيف يتوارى في الصمت بينما المذابح تغرق ارض فلسطين بأطهر الدماء، والسفاح شارون يعلن ان المذبحة لن تتوقف حتى يركع الشعب المجاهد؟ وأين ضمير المثقف ومسئوليته ومذابح جديدة في الطريق الى العراق وغيره من دول العرب التي اصبحت مباحة؟ وهل من نهاية لهذا الافلاس والعقم والاحساس بالهزيمة أم أن الوقت قد فات؟ و.. عشرات الاسئلة تحاصرني وأنا أتلقى - عبر الفاكس - رسالة من رام الله تحمل بيانا من المثقفين المحاصرين في أرض القتال المنتصرين بإذن الله. نداء لكل مثقف عربي الرسالة من بيت الشعر في فلسطين، والنداء فيها لابد أن يسمعه كل مثقف عربي، بل كل مواطن عربي، لعل شيئا مازال حيا يفجر طاقات الحياة من جديد. يقول النداء: أيها المثقفون العرب الأشقاء المبدعون، نحن في فلسطين بألف خير، ونرجو أن تكونوا من المحيط الى الخليج كذلك. وبعد. استطاعت انتفاضة الأقصى، انتفاضة الاستقلال، أن توحد كل فئات أو شرائح الشعب الفلسطيني في كل اتجاهاته وأطيافه، في الاشتباك مع العدو الصهيوني واذرعه الفاشية. ويوجه المقاومون الفلسطينيون الضربات ضد الغزاة النازيين ومواقعهم العسكرية والاستيطانية والاقتصادية في بلادنا، ويصمد الشعب الفلسطيني امام همجية حكومة الجزار شارون وامام آلته العسكرية المتغطرسة. ولن ننسى - ولا ينبغي أن ننسى - ان ابناء فلسطين هم الكتيبة المتقدمة لهذه الأمة، وان كل قرية فلسطينية تدافع عن مدينة عربية، وكل مخيم يقاوم في فلسطين يدافع عن عاصمة عربية واسلامية. ومن هنا، من بلادنا التي تعبر المئة الثانية من سنوات المقاومة والصمود، ندعوكم للتحرك - انتم مثقفو هذه الأمة وحملة فكرها وثقافتها ومكانها على هذا الكوكب. أيها المثقفون العرب، تستطيعون ان تفعلوا ذلك، لأننا مازلنا نثق بكم، ونشد على أياديكم، ولسنا في حاجة الى دليل يوقظ غفلتكم، فحسبنا مايجري هنا، أم انكم لا ترون؟! اننا لا نستجدي، ولا نستصرخ، فمعنوياتنا عالية ومعافاة، وايماننا بالنصر والخلاص أكثر رسوخا من أي زمن فات. لكننا نربأ بالتاريخ من أن يلعن من ينبغي أن يحرس الاحلام وأبواب العقول، ويؤصل الوجدان ويحفظ الحقوق والثوابت، لأنه استسلم ورمى أوراقه للريح وهرب. واننا أيها المثقفون الاشقاء، مازلنا نؤمن بعمق بأن الثقافة هي الجدار الأخير والباقي لأمتنا، والخيط الذهبي الذي مازال يجمعنا من المحيط الى الخليج، ومازال رهاننا عليكم باقيا حتى الآن، فلا تخذلوا أنفسكم ولا تخونوا مهماتكم. ايها المثقفون العرب، ماذا بقى لنقول انكم مدعوون للدفاع عن حروفكم وألسنتكم وأطراف أصابعكم، مع العلم أن لا تبرير يجدي ولا تفسير ينقذكم من هذا الصمت. فماذا تنتظرون؟ ونكرر القول لكم: مازلنا نعول عليكم أيها الاشقاء، راجين أن تطمئنونا عنكم وعن قهوتكم وجدلكم وكتابتكم على ثلج الصمت البارد.. طمئنونا! الصمت المخزي نعم.. لا شيء يبرر هذا الصمت المخزي ممن يحرسون الاحلام ويحفظون الحقوق ويؤصلون الوجدان. ولا شيء يفسر هذا الهروب الذي لا نظير له من المسئولية. نعترف بأن الأمة كلها اصبحت تحت الحصار.. وحصارها أقسى من هذا الذي تفرضه حكومة السفاحين على شعبنا البطل في فلسطين. فحصار العدو لم يمنع الشهداء في فلسطين من الكلام، بينما الحصار المفروض على الأمة، أخرس الألسنة وحكم بالجمود على حركة الشارع العربي واعلن أفلاس الحركات السياسية وكيف حدث ذلك، وماهي أسبابه؟ نسأل لا لنهرب من المسئولية مع الهاربين، ولكن بحثا عن طريق للخلاص. أتذكر الموقف الصعب في عام 56، ومصر مطالبة بالاستسلام، وجيوش أقوى امبراطوريتين تتحالفان مع اسرائيل، ومع ذلك صمدت مصر، وانتصر العرب، وفتحوا لكل المستعبدين في العالم أبواب الحرية. أتذكر مأساة الهزيمة في 67، وكيف انتصر الشعب حين رفض الهزيمة، وخاض اصعب المعارك في الطريق الى عبور كان لابد ان يتحول الى نقطة تحول تفرض الوجود العربي على العالم كله، لكن ماحدث بعد ذلك كان مأساة. بددنا النصر، ودمرنا التحالف الذي قاد اليه، وسقطنا في بئر الخلافات البائسة والأطماع الصغيرة لحكام صغار، ودفعنا الثمن الباهظ لكل ذلك.. جمودا في الداخل، واغتيالا لأحلام الشعوب، وضياع للادارة المستقلة، وتعثر الديمقراطية والتقدم. ووسط ذلك كله فرض العدو رؤيته في التسويات الصغيرة والتنازلات الكبيرة، ومن كامب ديفيد الأولى الى الثانية كان الطريق طويلا ومريرا. ومع مأساة غزو الكويت وتدمير العراق كان الطريق ممهدا الى مدريد ثم أوسلو، وكان عرب 73 قد اختفوا، وطريق الهرولة والتطبيع وسلام الشجعان يجهد من يرتاده. كل هذا قد يبرر الجانب الرسمي ممايجري على الساحة العربية، ولكنه لا يفسر هذا الصمت المريب الذي يلف الشارع العربي، ولا هذا الغياب الرهيب من مثقفين قادوا الأمة في أصعب الظروف، وكانوا الضمير الحي وسط طوفان الأكاذيب والهزائم والانكسارات، وقالوا «لا» حين كان ثمنها باهظا، ورفضوا «الهرولة» حين كانت طريق الآمنين، واسقطوا «التطبيع» حين كانت كل الضغوط تمارس لاتمامه، ورفضوا السلام بشروط اسرائيل واملاءات أمريكا، وأصروا على سلام عادل لا تضيع فيه الحقوق ولا يكون غطاء لاستسلام غير مقبول. فما الذي حدث في هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ الأمة؟ وكيف يصبح الصمت هو الخطاب الوحيد لمثقفي الأمة بينما الأرض الفلسطينية تشتعل بالغضب، والشعب البطل هناك يواجه حرب ابادة لم يسبق لها مثيل، ومع ذلك يستمر في انتفاضته مصرا على تحرير الأرض وتحقيق الاستقلال؟! التاريخ لا يرحم ماالذي حدث؟ هل أفلس المثقفون العرب بعد استنزافهم في معارك لا طائل منها ولا نتيجة لها؟ هل ضاعوا بين اغراء السلطة وقهرها؟ هل تملكهم اليأس من انجاز حقيقي في ظل النظام العربي القائم سواء على صعيد تحرير الأرض أو تحرير الانسان، وسواء في بناء الديمقراطية أو تحقيق التقدم؟ هل أوصلتهم اخطاء القيادات وبؤس الواقع وفداحة التحديات الى اليأس؟ هل هو سبتمبر واستغلاله في فرض ارادة القوة الأعظم؟ أم أن استحكامات الأمة الثقافية على وشك الانهيار امام طوفان نظام عالمي لا يؤمن بالديمقراطية الا لنفسه، ولا يعرف حقوق الانسان الا ضمن حدوده، ولا يفهم من قوانين الوجود الا قانونا واحدا هو قانون القوة؟! كنت - ومازلت - أؤمن أنها لحظة طارئة في تاريخ الأمة، وأن أمة تملك كل هذه الامكانيات ويسكنها كل هذا التاريخ لا يمكن أن ترضى بالموت في هدوء، وان الأمم التي تصنع الحضارة قادرة على تكرار التجربة اذا استعادت الارادة الغائبة، وتسلحت بالمستقبل ولم تسجن نفسها في تاريخ لم تعد تستحقه. لكن هذه اللحظة الطارئة لا ينبغي أن تطول والا تحولت الى غيبوبة يصعب علاجها، خاصة اذا كنا امام أحداث تبعث الحياة في الحجر لا البشر فقط، وامام أقصى يتم تهويده، وقدس أسيرة، وشعب يقاوم - بأجساده فقط - دبابات الاحتلال بينما الأمة صامتة والمثقفون في غيبوبتهم الفاضحة. هذه اللحظة لا ينبغي ان تطول، لأننا امام عدو لا يرحم، ويتصور ان هذه فرصته لكي يفرض ارادته الى الأبد، ولكي يجرد العرب من كل سلاح يملكونه الا سلاح «التوسل» أو «التسول» الذي بشرنا به بعض قادتنا، وتبناه بعد ذلك شارون!! فليستمع المثقفون الى هذا الصوت القادم من قلب فلسطين المشتعلة بالغضب والثورة، ليدركوا أنهم هم - وليس فلسطين - المحاصرون في عجزهم وسلبيتهم، وليدركوا كم هم كرماء هؤلاء الاشقاء الاعزاء في فلسطين وهم مازالوا يراهنون على المثقفين العرب ويناشدونهم أن «لا تخذلوا أنفسكم ولا تخونوا مهماتكم». نعم.. لا تخذلوا أنفسكم، فكل قرية فلسطينية - كما قال الاشقاء الفلسطينيون - تدافع عن مدينة عربية، وكل مخيم يقاوم في فلسطين يدافع عن عاصمة عربية، أما الذي لم يقله الاشقاء - كرما وخجلا - فهو أن كل شهيد فلسطيني لا يفضح فقط عجز النظام العربي، ولكنه يكشف - وهذه هي المأساة الحقيقية - خيانة المثقفين العرب لكل مبررات وجودهم على هذه الأرض الطيبة! ومع ذلك، فمازلنا نراهن على انها لحظة عابرة في تاريخ الأمة، ومازلنا - مع الصامدين في خط النار الفلسطينيين - ننتظر عودة الوعي الغائب، وانطلاق الصوت الضائع، فما أسوأ مصير أمة اذا كان مثقفوها قد غابوا حتى وهم يملأون صفحات المجلات وشاشات التلفزيون بالثرثرة الفارغة! وماأقبح المستقبل اذا كانت الأمة تحارب أهم معاركها وحراس الأحلام وأبواب العقول يخونون أنفسهم ويعتصمون بالصمت غير المبرر. تحركوا ياسادة، فالتاريخ لا يرحم.. والشعوب أيضا! ـ نائب رئيس تحرير«اخباراليوم»المصرية