بينما صارت دماء الشهداء كالماء المرشوش في كل المشهد الفلسطيني يوم الجمعة الأول من أمس استبشرت الدنيا بالمبادرة الامريكية التي قالت عنها التحاليل الاخبارية انها نوعية والأولى من نوعها في الادارة الامريكية الجديدة، بل ذهب بعض المراقبين الى تطمين الفلسطينيين بأن المسألة في البيت الأبيض بدأت تدخل مرحلة الجد في التعامل مع اجرام شارون، على الرغم من ان البيت الأبيض يرفض ان يسمي ذلك بالاجرام ويعتبره بقوة وبشدة دفاعاً مشروعاً عن النفس. ولا نعرف من أين بدر للمحللين ولناقلي الاخبار من القلعة التي تتصرف اليوم في امر العالم ومصير بشره ان امريكا بعد مشاهدتها لنهر الدم الفلسطيني الذي غرق فيه 57 شهيداً في يوم واحد انها غضبت واشرأبت وضربت بقبضتها الحديدية على الطاولة وقالت هذا لا يجوز.. من أين وكيف تصور لاولئك المحللين ان يصلوا الى هذه النتيجة على الرغم من ان الوجوه كل الوجوه في بيت الدنيا الأبيض الآمر الناهي لم تبد سوى انفعالاتها الباردة العادية التي اعتدناها، وان الامر الذي قيل عنه موقف مختلف هذه المرة ليس سوى الحكاية «اياها»، حكاية ارسال مبعوث سبق ابتعاثه للمنطقة وغادرها ولم يخلف وراءه سوى مزيد من الدمار والدم واطلاق العنان لشرذمة مجرم صار في وجهة النظر الرسمية لبيت الدنيا الابيض قطاً وديعاً حاصرته الذئاب فاندفع ينهش ويخربش وجوهها. اي عدالة هذه التي تبرر هذا البرود، وأي منطق يمكن ان يقنعنا ان سادة البيت الأبيض يقفون مع سلام المنطقة وسلام العالم حتى وان لم تكن لهم مصالح؟ لا شيء يمكن ان يجعلنا فئراناً تجري باتجاه فتات الجبنة العفنة على لوح المصيدة سوى تصديقنا للعبارات التي تطلق من هناك لتذويب فولاذية الغضب الذي يكور قبضات المناضلين الشرفاء وهم يندفعون لقشع ظلام غابة المصالح والحلول التي تحمل الافتراء أكثر مما تحمل الشعور الانساني الصادق.. فأبسط عقل عربي اليوم يدرك ان فاتورة السلام الذي سيقنع السادة «اياهم» هي فاتورة مدفوعة بدماء الآلاف من الشهداء الذين مروا بجنائزهم أمامنا والآخرون الذين تفترض الفاتورة انهم مجرمون وارهابيون وليسوا شهداء اصلاً. نحن الذين ندون في يوميات تاريخنا انهم شهداء ونحن الذين تقشعر أبداننا من سيل دمائهم، اما السادة الذين يريدون برمجة البشرية لعبودية جديدة فإنهم يعتبرونها ضرورات اعتيادية لتمرير المشروع المخطط له سلفاً. من استبشر خيراً بالوعد الامريكي وفور وقوع أبشع المذابح الشارونية انها ستأتي لتقبض على رقبة هذا المجرم وتزج به في السجن، أو تشكمه بطرقها التي نعرفها والتي تتعامل بها مع كل من يعترض مشروعها الاستعماري الكبير معتوه ومغيب عن الوعي.. المبعوث قادم والكلام والاوامر القديمة قادمة ولا شيء غير ذلك... halyan@albayan.co.ae