كادت الحماسة تدفعنا ـ خلال الأيام القليلة الماضية ـ إلى الانسياق وراء الفكرة التي طرحها الزميل سامي الريامي في ملحق «البيان» قبل أسبوع عندما اقترح علينا في مركز التدريب الاعلامي تنظيم دورة للفنانين في «فن التخاطب والتحدث لوسائل الإعلام خاصة بعدما أثبت عدد غير قليل منهم جهلهم مرة وعدم لباقتهم مرة أخرى في فن التعامل والتخاطب مع الجمهور عبر وسائل الإعلام المختلفة»، قائلا إنهم «بعيدون تماماً عن اصول اللباقة واللياقة الادبية في ألفاظهم وكلماتهم وحتى حركاتهم» وهو رأي يتحمل زميلنا العزيز مسئوليته بما عرف عنه من شجاعة وإقدام. وقد كانت الخطوة الاولى هي التفكير في المحاضر المؤهل لالقاء محاضرات هذه الدورة حيث اتجه تفكيرنا في البداية إلى الزميل عبدالوهاب قتاية لعدة أسباب منها: خبرته الطويلة في فن الالقاء والتقديم وإلمامه الواسع بالأخطاء الشائعة ونجاح الدورة التي نظمها المركز للقيادات الادارية العليا وكان هو المحاضر فيها، حيث سيصبح المطلوب فقط هو تغيير مسمى الدورة وتخصيصها للقيادات الفنية الدنيا احترازاً من إغضاب أي قيادة عليا. كما أن خبرة الزميل قتاية في إدارة الحوارات الاذاعية والتلفزيونية والصحفية مع العديد من اهل الفن والادب وغير الادب على مدى سنوات عمله في مجال الإعلام اكسبته مهارة في التعامل معهم، ناهيك عما يتمتع به من دماثة خلق تجعله قريباً من القلوب سهل التغلغل اليها. إلاّ أن مشكلة واحدة جعلتنا نعيد النظر في الترشيح، وهي أن طول صحبته للجميلة (التي يزعم أنها اللغة العربية تفادياً للمشاكل) قد تجعله يرفض قبول غير الجميلات في الدورة مما سيجعلنا نخسر عدداً كبيراً من المرشحات للانضمام اليها وبالتالي عدم تحقيق الهدف من تنظيمها. وكان المرشح الثاني هو صديقنا الكاتب الكبير محفوظ عبدالرحمن. وقد رجّح كفته لدينا أن كتابته للمسلسل الرائع عن أم كلثوم جعلته يغوص في أعماق المجتمع الفني الذي عاصر سيدة الغناء العربي ويسبر غور شخصياته مما سيمكنه من تقديم نماذج رائعة من الشعراء والأدباء والملحنين والمطربين وحتى الجمهور، نماذج انقرضت ولم يعد لها وجود في عصرنا هذا. ولأن كاتبنا الكبير قد انتهى مؤخراً من كتابة فيلم سينمائي عن العندليب الاسمر عبدالحليم حافظ فهو لا شك مازال يعيش الاجواء نفسها التي عاشها مع مجتمع كوكب الشرق والمحيطين بها. غير ان العقبة التي جعلتنا نقف مترددين أمام هذا الترشيح هو أن كاتبنا بحكم تخصصه في كتابة الأعمال الفنية من أفلام ومسرحيات ومسلسلات، كوّن صداقات وعلاقات كثيرة مع نجوم الوسط الفني وكواكبه مما قد يجعله ـ من باب الوفاء المتأصل فيه ـ ينحاز إلى هذا الوسط على حساب فكرة الدورة التي نسعى للترويج لها وتنفيذها، وعندها لن يجد صديقنا صعوبة في إقناعنا بأسلوبه السهل الممتنع أن جميع الفنانين يتمتعون باللباقة والألمعية، وأن الفكرة من أساسها قائمة على فرضية خاطئة، وأن ما نشاهد ونسمع مما يصدر عنهم ويبدو لنا أنه خالٍ من اللباقة ليس أكثر من تمثيل في تمثيل في إطار سيناريو محبوك كتبه لهم مؤلف بارع مثله لإبقائنا في حالة انبهار متواصل وإثارة مستمرة ليس إلاّ! أما آخر من في جعبتنا فقد كان الزميل صلاح عويس بحكم اشتغاله في إخراج عدد من الاعمال الدرامية الاذاعية وتعامله مذيعاً ومخرجاً مع شريحة كبيرة من الفنانين. وقد سقطت الفكرة بعد أن قرر زميلنا التكفير عن ذنوبه تلك بأداء فريضة الحج هذا العام ليعود إلينا حاملاً اسم «الحاج صلاح» هذه المرة قولاً وفعلاً بعد أن كان الزميل ظاعن شاهين يطلقه عليه لغرض في نفسه. وبعد سقوط الخيارات واحداً تلو الآخر قررنا تأجيل البت في اختيار المحاضر لحين اكتمال دراسة الفكرة وآثارها الوسطية والجانبية ونتائجها القريبة والبعيدة فرأينا الاستنارة بآراء الزملاء محرري الصفحات الفنية في المجلات والجرائد باعتبارهم ـ في نظر البعض ـ ناقلي الكفر ومثيري الفتنة الذين ما إن عرفوا الخطوط العريضة للفكرة حتى رفعوا جميعاً ـ ودون استثناء ـ أيديهم اعتراضاً عليها، مبررين رفضهم لها بأن دورة كهذه إذا ما حققت أهدافها ونجحت في تغيير سلوكيات الفنانين ـ وهو أمر مشكوك فيه ـ فإنها ستحرمهم من أهم ميزة تتمتع بها صفحات الفن عند جمهور القراء وهي السطحية والتفاهة والفراغ من أي مضمون ذي فائدة، وستصبح هذه الصفحات عبارة عن موضوعات مهذبة ذات مضمون فكري وثقافي، وستخلو من المعارك التي يفتعلها الفنانون والفنانات دون سبب اللهم إلاّ تحريك الساحة والبقاء تحت الاضواء، الأمر الذي سيحولها إلى صفحات مملة لن يقبل عليها سوى فئة قليلة من القراء يطلق عليها فئة المثقفين والادباء وقادة الفكر والتنوير، وعندها سيكون مآلها أرفف المكتبات والمخابز والبقالات ومصانع التدوير وإعادة التصنيع. وكان هذا هو الاحباط الثاني الذي نتعرض له، وقد ضاعف منه أن نجاح دورة كهذه ـ في رأي جميع من استفتيناهم ـ سيؤدي إلى كساد سوق محطات فضائية قائمة على برامج مادتها الاساسية هذه النوعية من الفنانين والفنانات الذين أصبحوا ملح هذه المحطات وبهاراتها الحراقة، والدجاجة التي تبيض ذهباً لمؤسسات خطوط الهاتف المزدحمة دائماً باتصالات المشاهدين المتهافتين على التحدث إلى نجومهم المفضلين، وسؤالهم عن أحوالهم التي لا تسرّ زميلنا صاحب فكرة الدورة. وهب أننا قد تمكنا من تجاوز كل هذه العقبات وأقمنا الدورة المقترحة بنجاح، فكم من الدورات نحتاج لنغير من عقول اولئك الذين يديرون الحوارات مع الفنانين؟ وكم من الدورات نحتاج لكي نغير من عقليات هذا الجمهور الذي يرفع من شأن فنانين بهذا المستوى على امتداد وطننا العربي الكبير؟ وكم من الدورات نحتاج لكي نغير من نهج إدارات مؤسسات اعلامية تتبنى مثل هذه الافكار والسياسات البرامجية، وتصدر المطبوعات التي يطلق عليها فنية؟ هكذا وئدت الفكرة في مهدها وقبرت قبل أن نكتشف أنها فكرة ليست بريئة أراد بها زميلنا العزيز أن يزجّ بنا في معركة خاسرة لن ينالنا منها سوى وجع الرأس وانقطاع الانفاس، واستعداء اهل الفن علينا من مختلف الاجناس، فكفانا الله شرّها وأبعد عنّا حرّها وقرّها. aliobaid2000@hotmail.com