هل تستطيع قوة ما، فلسطينية أو عربية أو دولية، اخماد الانتفاضة الفلسطينية المسلحة نهائيا؟ القوى الرئيسية، على مختلف المستويات، التي تتعامل مع الانتفاضة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، سلبيا أو ايجابيا هي: ـ القيادة المحلية التقليدية المتمثلة في السلطة الوطنية الفلسطينية. ـ مجموعة الدول العربية ـ خاصة مصر والاردن. ـ اسرائيل. ـ الولايات المتحدة. ولأسباب مختلفة، لكن متداخلة، ليست أي من هذه القوى في موقف الآن يمكنها من ممارسة أي نفوذ أو تأثير على قيادات وفصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة. فهذه القيادات والفصائل حققت لنفسها استقلالية في القرار والحركة تجعل المسرح السياسي الفلسطيني مختلفا تماما عما كان عليه الحال قبل اندلاع الانتفاضة في سبتمبر عام 2000. وقيادات المقاومة المسلحة لا تمارس هذه الاستقلالية على المستوى الميداني فحسب، بل ايضا على الصعيد السياسي تجاه كل القوى المشار اليها دون استثناء. ولننظر في حالات هذه القوى المحلية والعربية والدولية كما هي عليه راهنا. قيادة السلطة الفلسطينية فقدت السيطرة تماما على مجرى الاحداث الفلسطينية. وقد رأينا ونرى كيف تستخف قيادات المقاومة بما يصدر من قرارات من قيادة السلطة من حين لاخر بدعوة الى وقف اطلاق النار. والحقيقة ان الجماهير الفلسطينية العريضة بكل قطاعاتها لم تعد تقيم وزنا للسلطة. بل وحتى عناصر الأمن التابعة لاجهزة السلطة آخذة في الانتقال من صف السلطة الى صف المقاومة. على الصعيد الاقليمي العربي نشهد حالة انفصام كامل بين قيادات المقاومة الفلسطينية والانظمة الحاكمة. وتبلور هذا الانفصام من جهتين: لقد ظلت الانظمة الحاكمة العربية تمارس تأثيرها على مجريات القضية الفلسطينية عبر القيادة الفلسطينية التقليدية فحسب. وبانفصام الجماهير الفلسطينية وقيادات المقاومة عن القيادة التقليدية فقدت الانظمة العربية تلقائيا قدرتها على ممارسة اي نفوذ على مسار القضية الفلسطينية، بعد ان تحولت هذه القضية من مرحلة الكفاح السياسي السلبي الى مرحلة النضال المسلح. ومن الناحية الثانية فقدت الانظمة العربية، مع تصاعد الاشتباك الدموي بين المقاومة والجيش الاسرائيلي، ومع استمرار تحالف هذه الانظمة مع الولايات المتحدة ـ الشريك المصيري لاسرائيل ـ اي حد ادنى في المصداقية لدى الفصائل النضالية الفلسطينية. اسرائيل الشارونية تراهن على اخماد الانتفاضة بخيارها الاوحد: الخيار العسكري. لكن مع انتقال المبادرة الهجومية الى فصائل المقاومة الى درجة تجاوزت التكافؤ مع القوة الاسرائيلية الغاشمة، لا يفتأ هذا الخيار يسجل كل يوم فشلا متجددا. والثورات الوطنية المسلحة بوجه عام تستشرف افاق النصر النهائي عادة عندما تكسر حاجز الخوف السيكولوجي فيتحول الخوف الى غضب تتصاعد حدته مع تصاعد استفزازات العدو. وهذا هو ما جرى للثورة الفلسطينية المسلحة. اما الولايات المتحدة فقد استنفدت نهائيا حيلتها الخداعية كوسيط «نزيه وحيادي». وحتى اندلاع الانتفاضة قبل 18 شهرا كان متاحا لواشنطن ان تواصل تمثيل الدور بمساندة من بعض الانظمة العربية باسلوب فن العلاقات العامة والدعاية. لكن مع تصاعد الاشتباك الدموي بين الفلسطينيين والاسرائيليين اضطرت الولايات المتحدة الى اسقاط القناع نهائيا لتعلن موقفها الحقيقي بأن النضال الفلسطيني «ارهاب» والعدوان الاسرائيلي «دفاع عن النفس». وبسقوط المصداقية الامريكية نهائيا ليس بوسع واشنطن ممارسة اي نفوذ لاقناع قادة المقاومة الفلسطينية بالتوقف عن المقاومة. تاريخيا، نستذكر ان القيادة التقليدية الفلسطينية استطاعت وقف انتفاضة الثمانينيات لتدخل عهد مساومات سياسية دبلوماسية نعلم انها انتهت الى فشل ذريع. لكن الامر مختلف تماما الآن. فقيادات الانتقاضة الثانية متسلحون، استفادة من تجربة الماضي، بأعلى قدر من استقلالية القرار والحركة.