الملحوظة الأساسية انه أصبح من المهم جدا أن يعود العراق الى الصف العربي باعتباره قوة داعمة للعمل العربي المشترك لأن الاستمرار في عزل العراق يعني اتاحة الفرصة للولايات المتحدة كي تحضر الضربة المقبلة تحت شعار ماتسميه الحرب ضد الارهاب. وهو المبرر الموضوعي من وجهة نظرها الذي تستند اليه للاجهاز على أي جهة في العالم تعارض التوجهات الأمريكية. اذن عندما ينضم العراق ـ قلبا وقالبا ـ مرة اخرى الى الحظيرة العربية سيجعل هذا الأمر الادارة الأمريكية تفكر أكثر من مرة قبل الاقدام على أي خطوة لضرب الشعب العربي في العراق على اعتبار ان المنطقة العربية وهذا هو المفترض لها أصدقاء ومصالح. الخروج من الشراك على أي حال هذا يعني عددا من الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار حتى يسترد العراق دوره الفاعل في أمته العربية ونسوق هذه الأمور على النحو التالي: أولا: لا مفر من أن يبدي العراق رغبة جادة في تجاوز خلافات الماضي القريب مع اشقائه وفتح صفحة جديدة من التئام اللحمة العربية في اطار المصالحة القومية والاقليمية ولا أعتقد أنه يغيب عن دوائر صنع القرار في العراق ان الأمن القومي العراقي ومصلحة الشعب العراقي لن يتحققا عمليا الا بوجود تعاون عربي واقليمي مع جيرانه في مقدمتهم الكويت والمملكة العربية السعودية وايران. ثانيا: من خلال قراءة العلاقات العربية - الأمريكية في السنوات العشر الاخيرة نجد ان العراق ينجر دائما وراء حملات الاستفزاز الأمريكية ويصبح من الأهمية بمكان الا ينساق وراء الاستفزازات الأمريكية ويتعامل بهدوء وكياسة مع مكونات الواقع المحيط به سواء على المستوى الدولي او الاقليمي!! بعبارة اخرى يجب أن تعيد بغداد صياغة خطابها مع الاخر وتضع في اعتبارها مصلحة الشعب العراقي ـ أولا واخيرا ـ الذي انهكته المعاناة اليومية الناجمة عن العقوبات الدولية - الأمريكية. ثالثا: رغم كل مايمكن ان يقال عن مصداقية الأمم المتحدة ـ في ظل النظام العالمي الجديد ـ بشأن التعامل مع الحالة العراقية فإنها أي الأمم المتحدة ستظل المنظمة الدولية الفاعلة والمخولة تنظيم العلاقات بين الدول الاعضاء فيها ومازال العراق حتى الآن أحد اعضائها العاملين والمفترض أنه ملتزم ببنود ميثاقها. رابعا: اذا كان العراق قد أعلن أكثر من مرة انه لا توجد على أرضه أي أسلحة للدمار الشامل فلماذا لا يتيح الفرصة مرة أخرى لعودة فرق التفتيش الدولية على الاسلحة الى بغداد لممارسة مهامها في اطار السيادة العراقية؟! وبذلك يفوت العراق الفرصة مرة اخرى على الولايات المتحدة كي تصطاد في الماء العكر كما يقولون في القول الشائع وفي الوقت نفسه يلقى العراق - بذكاء - بالكرة الى ملعب مجلس الأمن الدولي لكي يناقش ويقرر امكانية الرفع التام للعقوبات عن الشعب العراقي!! بعبارة أخرى اذا تصورنا حدوث تطور ايجابي في الحالة العراقية فإن ذلك سيعطي بلا شك مرونة أكثر للقادة العرب كي يتخذوا خطوات ايجابية لتحقيق التقارب ثم التصالح بين العراق واشقائه. سؤال ملح نلاحظ خلال السنوات العشرين الاخيرة ان هناك عدم جدية في التعاون العربي الجماعي المتعلق بالجانب الاقتصادي لأسباب غير مفهومة حتى الآن لأن الواقع العربي به امكانات مادية وبشرية هائلة تفرض عوامل التكامل وقد أشرنا في موضع آخر الى ذلك. وأعتقد انه آن الأوان لكي تتم دراسة لتجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست وهي جزء من النسيج العربي والبحث في أسباب تفعيل ونجاح هذا التعاون واستمراريته منذ أكثر من عشرين عاما.وليس عيبا ان نصيغ مجلسا للتعاون للدول العربية على غرار التجربة الخليجية يأخذ منها ويتفاعل معها لتحقيق أكبر استفادة ممكنة على مستوى كل الدول العربية من المحيط الى الخليج.ولست أدري هل المعني بهذه الخطوة جامعة الدول العربية (الأمانة العامة) أم مستوى القادة والزعماء العرب وان كنت اعتقد ان على الجامعة ان تقوم بدور الاعداد الجيد وبيان الاهمية القصوى لهذا التصور ومناقشته ومن ثم اقراره في القمة العربية على النحو الذي توافق عليه كل الدول العربية ولكي تتضح الصورة يجب ان يضع المعنيون بشئون الأمة العربية في اعتبارهم بعض الحقائق الموضوعية نرصدها فيما يلي.. الوطن العربي غني بموارده الاقتصادية واهمها في تقديري العامل البشري الذي لم يتحول الى عامل منتج بعد واعتقد انه سبب مهم في أن الناتج القومي العربي من سلع وخدمات تدخل فيها موارد النفط والغاز أقل من 700 مليار دولار سنويا وهو رقم قليل جدا اذا قسناه بالامكانات الكامنة والحقيقية المتاحة وبغيرنا فمثلا الناتج العربي يساوي نصف الناتج الايطالي ويساوي الناتج الاجمالي لدولة مثل بلجيكا عدد سكانها لا يتجاوز 15 مليون نسمة والاغرب من ذلك ان الناتج العربي يتساوى مع الناتج الذي تحققه شركة ميتسوبيشي اليابانية!! والسؤال المطلوب الاجابة عنه: لماذا تتسرب الموارد والاستثمارات العربية الى خارج المنطقة رغم انه اذا تمت الاستفادة الحقيقية منها سيقارب الناتج المتوقع من الناتج الاجمالي في عدد من الدول المتقدمة لا أبالغ اذا قلت أن من بينها الولايات المتحدة (3.3 تريليونات دولار سنويا). في هذا الاطار أرى انه يجب الاستفادة من التجارب الاخرى ومن بينها التجربة الصينية التي تتنامى بشكل مستمر الى حد أن احد الخبراء في السياسة الدولية وهو الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك يتوقع أن تصبح الصين خلال 25 سنة القطب الأكبر الفاعل في النظام الدولي ومايعنينا هو انه رغم ان تعداد الصين 1/5 سكان العالم (مليار ومائتا مليون نسمة) الا ان هذا العدد الضخم يمثل شعبا منتجا وهذا هو السبب المباشر للاهتمام بالتجربة الصينية. والسؤال المطلوب الاجابة عنه: كيف يمكن أن نحول طاقتنا البشرية في عالمنا العربي الى عنصر منتج؟! نافلة القول.. أن الأمة العربية مازالت بخير.. ويمكن ان تصل الى مستوى يناهز القوى العالمية الفاعلة في عالم اليوم (بشرط) أن تكون هناك الرغبة والارادة الجماعية للوصول الى هذا المستوى. فهل يمكن لقمة بيروت العربية أن تطرح كل هذه الملفات؟! ـ كاتب مصري