رغم ما واجهته مبادرة ولي العهد السعودي من اعتراضات وانتقادات من جهة، ودعم وتأييد من جهة أخرى، لا بد لنا من قراءة الواقع المعاش عربياً وإسلامياً إزاء انتفاضة شعب أعزل يواجه أعتى ترسانة عسكرية، بصدره العاري إلا من الإيمان بالتصدي وإحراز النصر. فعلى الرغم من القمم والمؤتمرات والشعارات والخطابات، فقد تشكلت حالة من الفراغ السياسي على الصعيدين العربي والإسلامي، بسبب حالة من التراخي حيناً، وإدارة الظهر والتنصل من المسؤولية التاريخية إزاء الشعب الفلسطيني أحياناً أخرى، بدلالات النتائج التي توصلت إليها مؤتمرات القمة العربية والإسلامية، وغيرها من المؤتمرات الإعلامية، وما إلى غير ذلك من هذه الشاكلة. بل لقد شكلت هذه المؤتمرات بمجموعها، حالة من اليأس والقنوط لدى الشارعين العربي والإسلامي من جهة، والفلسطيني من جهة أخرى، بسبب غياب المبادرة السياسية الفاعلة، كأرضية صلبة لانتهاج سياسة عربية متوازنة، من شأنها أن تفض الكثير من الذرائع التي دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على التلطي خلفها، واعتبارها خطوة اعتراضية على مجموعة المشاريع المخفضة المطروحة أمريكياً، برؤية اسرائيلية متوافق عليها، أو بالأحرى معدة سلفاً. وبعيداً عن استحضار تاريخ التفاوض، منذ أوسلو مروراً بالاتفاقيات والتفاهمات، وانتهاء بتقرير جورج ميتشل وخطة جورج تينت الأمنية، والخطط والمشاريع الأمنية كما أسلفنا القول، فقد شهدنا حالة من الفراغ السياسي العربي، بحيث أصبحت الانتفاضة الفلسطينية تعيش ما بين مطرقة الرؤى الأمريكية وآلة الحرب الإسرائيلية، جاءت مبادرة الأمير عبد الله ، لتطرح مشروعاً عربياً عله يشكل عاملاً كابحاً ولو نسبياً، لملء الفراغ الحاصل، الذي وحسب اعتقادي أنه، قد صب جله في خدمة الأهداف الشارونية، التي تستمد شرعيتها من الشارع الإسرائيلي الآخذ بالجنوح نحو التطرف، ومن الولايات المتحدة التي أصبحت ترى بعد أحداث 11 سبتمبر، بالانتفاضة الفلسطينية عنصراً محركاً للإرهاب، وبالقوى الانتفاضية الشعبية والحزبية على مختلف أيديولوجياتها بأنها قوى إرهابية هي أيضاً، ويجب اجتثاثها؛ حتى وصل الأمر أننا بتنا نعيش حالة الافغنة، بتجاهل حالة إرهاب الدولة المنظم، التي تعيث فساداً في الأرض وبين صفوف الشعب الفلسطيني، على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي وقطعان مستوطنيه، دون أن يوجه حتى ما يسمى بالانتقاد الخجول لمثل هذه الممارسات الفاشية من قبل قوى دولية تدعي بأنها صديقة للفلسطينيين والعرب،و التي تذكرنا باجتياح هتلر للعاصمة البولونية وارسو،أيام الحرب العالمية الثانية، وبحصار بيروت، على يد ذات السفاح شارون عام 1982. لكن بصرف النظر عن حالة التوصيف، فقد حملت مبادرة ولي العهد السعودي، جملة من الإيجابيات، أهمها: أولاً: بعد أن شكل غياب المبادرة السياسية العربية حالة مرضية مستشرية، جاءت مبادرة الأمير عبد الله لتشكل أرضية متوازنة لانتهاج سياسة عربية، تتجاوز تقرير ميتشل وتينت اللذين أصبحا في عداد الأموات، بل أكثر من ذلك لتتجاوزهما إلى ما هو أشمل وأعم، قياساً بما هو مطروح. ولتخلق حالة سجالية على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية، مؤكدة من وراء ذلك الحضور العربي في الساحة بعد أن غاب أو غيب والأمر سيان، بمعزل عن النوايا. ولتتقاطع مع الموقف الأوروبي الآخذ بالتمايز يوماً بعد يوم عن الرؤية الأمريكية لطبيعة الصراع العربي - الإسرائيلي.أي بمعنى آخر مزاوجة بين موقفين أحدهما عربي والآخر أوروبي، بما يتيح المجال مرة أخرى للعودة الأوروبية بقوة برنامج سياسي عربي هذه المرة، تحت عنوان الشراكة والحفاظ على المصالح. ثانياً: خلقت حراكاً سياسياً داخل الشارع الإسرائيلي، بعد أن توحد بغالبيته حول سياسة شارون، التي تسعى إلى تدمير مقدرات الشعب الفلسطيني، كمقدمة لفرض شروطه واملاءاته، التي نادت بدولة فلسطينية على مساحة 25% من الأراضي المحتلة عام 1967، بتجاهل كل القضايا الأخرى كالقدس والحدود وغيرها من القضايا العالقة. كما أنها جاءت لتكون بمثابة مقدمة لمفاقمة الأزمات الداخلية، التي بدأت تطفو على السطح، من خلال رفض بعض ضباط الاحتياط الإسرائيلي العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة، وانخفاض شعبيته من خلال استطلاعات الرأي، لتنقل الأزمة بعد أكثر من سنة وسبعة أشهر إلى داخل التجمع الاستيطاني الإسرائيلي، بحيث بدأنا نسمع بعض الأصوات الإسرائيلية، على قلتها وخجلها، بالمناداة بضرورة التريث، والنظر بعين الجد إلى مبادرة الأمير عبد الله، بصرف النظر أيضاً عن كيفية فهمها لان نص المبادرة كان واضحاً، الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وقيام الدولة الفلسطينية ومن ثم التطبيع الكامل مع اسرائيل. ثالثاً: جاءت رداً على المقولات التي يشيعها الإعلام الغربي وبعض الأوساط السياسية الغربية أيضاً، بأن العرب لم يطرحوا يوماً قضية إقامة الدولة الفلسطينية، وأن جل علاقاتهم القطرية مع الغرب تقوم على أساس من مفهوم العلاقة الثنائية القائمة على المصلحة السلطوية الضيقة، والتي كانت ولا تزال مثل هذه المقولات تهدف إلى توسيع حالة الشرخ الحاصلة على الصعيد العربي - العربي، وخلق المزيد من المشكلات العربية البينية، بهدف إضعافها جميعاً لفرض المزيد من القيود والشروط والإتاوات عليها، أكثر مما نشهد ونلمس ونرى. أما في خصوص، النقد الموجه للمبادرة - المقابلة - في إسقاط حق اللاجئين، فكما أسلفنا القول، أن قضية اللاجئين هي القضية الوحيدة التي لا يمكن إسقاطها من المنظور القانوني والحقوقي، فهي مرتبطة بالقرار 194، وهذا القرار هو الشرط الذي لا يمكن تغييبه، وإذا ما غيب قسراً فلن تنجح أية مبادرة أو تسوية في المنطقة على الإطلاق، خاصة إذا ما علمنا أن المحرك لعملية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، كانت وما تزال قضية حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم التي طردوا منها. وهنا يمكننا التذكير أن البيان المشترك السوري - اللبناني، وما طرحه بخصوص هذه القضية، اثر زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لبيروت عشية القمة العربية المزمع عقدها، بعد خمسين سنة خلت لزيارة رئيس سوري لها، رفض التوطين وحق عودة اللاجئين، تكمل المبادرة التي طرحها ولي العهد السعودي الأمير عبد الله، ومن ثم يمكن مزاوجة النص السوري - اللبناني في هذا الخصوص مع المبادرة، لتصبح مشروعاً عربياً، يتم اتخاذ المواقف العربية القادمة على أساسه، في طرح القضية على كافة المستويات، واعتبارها ثابتاً عربياً لا يمكن التنازل عنه أياً كانت الظروف. ـ كاتب فلسطيني