منذ عقود مضت كانت الشرطة كمفهوم تعتبر احدى الأذرع العسكرية التي تقاوم الجريمة وتردع المجرمين وتلاحق المخربين لأنظمة الأمان في المجتمع. وجاءت عقود أخرى تزيل الغبار العسكري عن وجه الشرطة لتستبدله بوجه مدني مكشوف على الجميع بغض النظر عن الزي الذي يفوح بالعسكرية لأنه صبغة هذا العمل ولا حرج في ذلك، لأن المهم الوظيفة وليس الشكل سواء بقي أخضر أو تحول الى الزرقة. يزداد الحديث اليوم عن الشرطة كجزء مهم من عناصر البناء الاجتماعي وكأنها لم تكن كذلك من قبل، مع ان الدور الذي تؤديه الشرطة لم يتغير كثيراً، إلا ان المفهوم العام للعمل الشرطي تغير كثيراً كلما علا صوت مَدْيَنَة الشرطة وذلك بالتخفيف تدريجياً من عسكرته، وهذا يؤدي بنا الى التطرق للحديث عن الشرطة المدنية وليست العسكرية المعهودة بصفة القمع والشدة والتخويف والترهيب وغيرها من الوسائل التي كانت عبارة عن ملصقات لاصقة في الاذهان والتصورات قبل تعليقها على أرصفة الطرقات. مفهوم العمل الشرطي المعاصر يحمل راية الشرطة المجتمعية، بمعنى أن كلا من الشرطة والجمهور في خدمة الطرفين في آن واحد بحيث لا يشعر رجل الشرطة وهو يؤدي واجباته بالغربة تجاه الآخرين وإن كانوا في عداد المخالفين للأنظمة والقوانين السارية في أي مجتمع. من خلال الواقع الميداني، فإن شرطة دبي قطعت شوطاً بعيداً في هذا المنحى المعاصر للعمل الشرطي الاجتماعي، حدثنا بعض العاملين في هذا الجهاز ولغة الحماس بادية على قسمات وجهه، لقد استحدثنا أكثر من عشر خدمات جديدة لخدمة الجمهور ولدينا الاستعداد للوصول الى الناس في بيوتهم لتقديم ما يحتاجون إليه إذا كانت أوقاتهم لا تسمح بالوصول إلينا، هذا الطرح الجاد في خدمة الآخر كان شبه معدوم قبل أعوام قليلة ليس في قطاع العمل الشرطي فحسب وإنما حتى في الأجهزة المدنية البحتة والغارقة في بحر البيروقراطية، لم نسمع بأن هناك من يرغب في الخدمة لا من داخل المؤسسة التي يعمل بها ولا من الخارج بالطبع. لقد قويت العلاقة البينية في قطاعات عريضة في المجتمع وهذه وحدها تكفي للمضي في هذا الاتجاه الى أبعد مدى، فهذه العلاقة الجديدة هي سر بقاء الأمن العام في المجتمع في أعلى السلم الاجتماعي. فكلما لانت العسكرية لصالح المدنية، كانت الشرطة مجتمعية أكثر أحياناً من بعض الأجهزة المدنية، وهذا هو المطلوب في هذا العصر الذي تكاد الفروقات بين المؤسسات المدنية والعسكرية تقل لصالح المجتمع العام الذي في النهاية تؤدي الى تقوية البناء الاجتماعي الأمني وهو الهدف الأسمى لِمَدْيَنَة الشرطة.