في إحدى صوره، يشبه الاشتياق إلى أحضان العائلة قرعاً لأجراس الطفولة وذكرياتها الحلوة والمرّة في آن معاً. ولن يبدو غريباً إذ يُجاهر المرء بعشقه الذي لا يُحدّ إلى كنف الأسرة التي تصنع الأجيال المتعاقبة وتمنحها أسماءها وتشير إليها نحو الفلاح وخير العمل. ولا نبتدع جديداً لو قلنا إن أحلى العيش يكمن في سرّ العائلة وأفيائها الظليلة، ونجدنا نرنو إليه دائماً، لأنه يبعث فينا شعوراً بالدفء كلما ازداد صقيع الغربة، ويضفي علينا إحساساً فطرياً لا يُغادرنا لحظة، فقد بات غذاءً روحياً لنا ساعة تستبدّ بنا علائم الوحدة والقنوط وتعصف بنا الملمّات. ــــ «عالم واحد.. عائلة واحدة» عنوان كونيّ وإنساني لمهرجان دبي للتسوّق، يصرّ على تجديده للسنة الثانية على التوالي، لكنه يكتسب هذه المرة بُعداً أكثر راهنية، بالنظر إلى ما يشهده كوكبنا من أحداث كبرى متلاحقة، تؤكّد الحاجة إلى حوار بين الحضارات والشعوب بديلاً للحروب والمجاعات، وإلى عولمة وديعة ومعطاءة تنزع أنياب الجشع والاحتكار، وتسعى إلى تنمية متوازنة بما يحدّ من الهوّة القائمة بين شمال الأرض وجنوبها. جذبني بشكل سحري شعار مهرجان دبي، وحين تفحّصته مليّاً، لمستُ مدى عمقه وشموليته في تقديمه رسالته إلى العالم. فالمشهد الإنساني يتكرّر في المدى الجغرافي لإمارة دبي. فعالية هنا وتظاهرة هناك، والحركة تدبّ في شرايين المدينة ليلاً ونهاراً، إذ لا نوم في المهرجان. عائلات من هنا.. ومن أقاصي الأرض جاءت لتشهد الفرح المتنقّل والألفة المقيمة، وما بين حديقة الخور وأنغامها وقرية التراث وعبق أعراسها والإبداع الفني في شارعي السيف والضيافة، تبدو القرية العالمية منوّرة بأهلها القادمين من أماكن قصية.. يتجاورون على أرض دبي وينعمون بدفئها ويؤلّفون فيما بينهم عالماً واحداً وعائلة واحدة. ــــ أذكر من بيت جدّي القديم لوحة معلّقة على الجدار، وفي داخل الإطار تنتصب شجرة العائلة التي يبدأ من جذعها النبت الأصل ومكانه وزمانه، فيما تتوزّع على فروعها أسماء الأسلاف، وكان جدّي آخر الأحياء بينهم. رحل جدّي وأُزيل المنزل من الوجود، لكن شجرة العائلة انتقلت إلى بيوت أكثر حداثة واتساعاً، لترفل بأغصان جديدة وآمال مقبلة. ــــ في ألبوم كل عائلة صور عدة تنبثق منها حكايات دفء وحنان، ابتداءً من أكثرها قدرة على التعبير تلك التي تُلتقط أثناء اندلاع الزغاريد في أعقاب وضع العروسين خواتم الزفاف بقليل. ولعلّ صورة العروسين وهما يسيران جنباً إلى جنب مُحاطين بالأهل والأحبّة تشي بمدى الشرف والكبرياء اللذين يكتنفان لحظة الزفاف، ويتضح أيضاً فرح كل منهما وبهجته بالآخر، مثلما يتجلّى توقهما للعيش في كنف أسرة حقيقية ومتماسكة. لكن الصورة الأجمل حين يحمل الأب وليده البكر الذي يكون قد «شرّف» لتوّه إلى الحياة، فيما ترتسم على محيا الأم عبارات الشكر والامتنان للخالق العظيم سبحانه وتعالى، تليها صورة أخرى تزيّنها ابتسامة رضا في عيون الأب والأم وهما يحملان سوياً مولودهما العتيد الذي يحسّ لأول مرة بحنان العائلة. وفي انتظار أن يحطّ الحفيد بين أحضان جدّته، تجلس المرأة مثل شجرة سنديان عتيقة، وقد زادتها السنون حكمة ووقاراً، بعدما أدّت قسطها في تربية أبنائها وتشكيل طموحهم. ــــ العائلة الواحدة لا تعني حبّاً بين رجل وامرأة فقط، إنها تتأسّس من حبّ بين رجل وامرأة وشجرة أيضاً. شجرةٌ يانعةٌ وظلٌ ورجلٌ يغني وامرأة تهدهد طفلها. رجل يقول لامرأة تحت ظل شجرة يانعة: غداً نُدخل الولد إلى المدرسة. فتُبادره المرأة: وماذا سنشتري لأخته القادمة بعد شهرين؟! العائلة شجرة يقصدها الربيع فيزدادُ اخضراراً.. رجل وامرأة يمرّان على الربيع فتنبت أشجاره وتزهو بزهورها. العائلة السعيدة حين يقول رجل لامرأة بعد عقود من الزواج: «لا تزالين جميلة وابتسامتك تزداد سحراً، أما أنا فقد أمسيتُ عاجزاً عن احصاء الشَعر الأبيض في مفرقي». فيما تردّ المرأة على التحية بما يضاهيها: «أحبك بصمت ومودّة ورحمة». العائلة رجل وامرأة وشجرة وظل وبنت في المرحلة الثانوية وولد يتخرج من الجامعة، وطفلان آخران يُمسك بأيديهما والد عطوف وأم كريمة وهما يسلكان طريق التعب نحو الغد الآمن.