جاء طرح المبادرة السعودية في اللحظات الاكثر احراجا على المستوى السياسي العربي من ناحيتين الاولى استمرار الكيان الصهيوني بتصعيد حربه ضد الفلسطينيين والثانية ما افرزته احداث الحادي عشر من سبتمبر، ونتائجها التي تأثر بها الوطن العربي اكثر من غيره رغم بعد الساحة القتالية بشكل اولي عنه، وفي هذه الاجواء المتسارعة بدأ العد التنازلي للقمة العربية المقبلة في بيروت بعد قمتين كانت الانتفاضة الفلسطينية محورهما الاساسي وهما قمة القاهرة الاستثنائية وعمان الدورية الاولى. والمعروف ان القمة الاولى كانت استجابة للشارع العربي من محيطه الى خليجه الذي خرج مؤيدا الانتفاضة ومطالبا القادة العرب بتحرك سريع تجاه الكيان الصهيوني، ورغم ذلك فقد تشابهت قرارات القمتين بل الى الآن لم تنفذ تلك القرارات التي تتصف بطبيعة الحال بالخجل الشديد امام مطالب الشارع العربي، وفي ظل كل تلك الاحداث المتلاحقة بدا مؤقتا ان القمة القادمة في بيروت ستكون كسابقتيها قبل ان يطرح ولي العهد السعودي الامير عبدالله مبادرته الجديدة التي فاجأت اسرائيل بشكل مباشر وبدأت الاخيرة تطلق تفسيراتها وتحليلاتها الخاصة في ظل صراع صهيوني داخلي يهدد بالاساس حكومة شارون التي باتت تلفظ انفاسها الاخيرة في ظل الانتفاضة الفلسطينية التي اثبتت قوتها، وامام انهيار الامن الاسرائيلي الذي وعد به شارون واكتملت الدائرة المحاصرة لحكومة ما يسمى بالوحدة بعد اعلان مبادرة الامير عبدالله. تحليل اسرائيلي سريع ربما بدأ التحليل الاسرائيلي لمبادرة الامير عبدالله مبكرا وفاضحا لطبيعة الكيان الصهيوني، فعندما اعلنت المبادرة احتد النقاش في الاوساط الحزبية الاسرائيلية لانها وضعت قبل كل شيء رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون امام واقع جديد كان لا يتمناه اطلاقا فهي قد كشفت عدم امتلاكه لاي مشروع سياسي بل لعل المبادرة جعلته يتخبط حزبيا خاصة ان انتماءه لحزب الليكود اليميني المتطرف بدا مضطربا في الاونة الاخيرة بعد عودة بنيامين نتانياهو الى الواجهة السياسية في حزب الليكود مما سبب قلقا شديدا لدى شارون، واضافة الى هذه الاحداث المتسارعة في قلب الكيان الصهيوني وحتى داخل الليكود ذاته ظهرت حقيقة واضحة لشارون من خلال رفض الخدمة العسكرية في الاراضي المحتلة عام 1967 مع تظاهرات شديدة ومؤثرة في الشارع الاسرائيلي مطالبة بالانسحاب من الاراضي المحتلة عام 1967 وترافقت تلك التظاهرات بهجوم صحافي على سياسة شارون ووعوده الامنية، لذلك نرى ان مجرد اطلاق المبادرة السعودية وضع جميع الاحزاب الصهيونية امام خيار تعتبره ضمن سياساتها المتشابهة الاصعب في تاريخها. ومن هنا انطلقت حلقة التفسيرات الخاصة والعروض المبرمجة حول المبادرة السعودية ويمكن قراءتها الآن في التصعيد الشاروني ضد الفلسطينيين الذي يعتبر بشكل واضح حربا حقيقية حيث سقط مؤخرا عشرات الشهداء الفلسطينيين وتم اجتياح جديد لقرى ومدن الضفة والقطاع كمخيمي جنين وبلاطة وكان هذا الاجتياح من الناحية الميدانية حربا حقيقية استخدم فيها جميع انواع الاسلحة الهجومية مما يؤكد ان شارون لا يريد مبادرات سلام بقدر ما يريد المضي قدما بارتكاب مجازره المعروفة تاريخيا. واذا تصورنا الحالة الميدانية في الاراضي الفلسطينية مع ردات الفعل سواء العسكرية او السياسية في الكيان الصهيوني فانه من المستحيل ان نصدق ان الكيان الصهيوني يريد اية مبادرات سلمية وحتى من الناحية السياسية الاعلامية فاننا نجد بداية ان التفسيرات للمبادرة السعودية اخذت اشكالا متنوعة وكان الجميع يريد الشق الثاني منها وهو التطبيع الكامل، فشارون دعا الى السلام قبل ابرام اي اتفاق وجاءت هذه الدعوة خلال تدشين معبر حدودي بين الاردن واسرائيل ولكن كيف يمكن ان يكون هناك سلام دون اتفاق وماذا يقصد شارون بذلك؟! الواقع ان الكيان الصهيوني منذ نشأته يسعى الى تحديد مفهوم السلام كما يرى بتنازل العرب عن جميع حقوقهم. وشارون الذي فشل في تأمين الامن لاسرائيل ومن الفلسطينيين فقط يريد تأمينه من العرب جميعهم وبالطبع دون التنازل عن اراضي 67 وهذا ما اوضحه علانية برفضه العودة الى حدود الرابع من يونيو 67، وعوضا عن قبول المبادرة على شكلها الحالي اعلن استعداده لمقابلة الامير عبدالله وحدد مكان المقابلة في القدس!! فهل القدس لا تدخل في حدود شارون التي يتصورها ام انه يجهل بأنها احتلت عام 1967 وبالطبع الشرقية منها،والواضح هنا ان في ذلك دلالة على تحد جديد لشارون بل يريد ان يؤكد ان القدس الموحدة ستبقى عاصمة لاسرائيل وفي هذا ضرب للمبادرة من اساسها. ويصعب على المرء ان يتصور في هذه الحالة وجود اي مشروع سياسي لشارون وهذا التصور لم يأت لكونه عدو العرب بل اكدته معظم الصحف والدراسات العربية وحتى الاحزاب المعارضة خاصة تلك التي تسمي نفسها باليسار ومنها بالتأكيد حزب العمل الذي بدأ هو الاخر يراوغ كونه وضع ايضا امام المحك، فزعيمه بنيامين بن اليعازر يقود حربا ضد الفلسطينيين ويرفض هو الاخر التراجع عن حدود 1967 وعجوز الحزب وثعلبه شيمون بيريز يلجأ الى مراوغات جديدة ليس من الصعوبة فهمها واول هذه المراوغات تجلت في دعوته للقاء الامير عبدالله ومن ثم بدأ يفسر المبادرة كما يشاء فهو يقول: «هذه الخطة تنص على مرونة اكثر حول القدس ومواضيع اخرى» علما ان المبادرة بشكلها المبدئي تؤكد العودة الى حدود الرابع من يونيو كاملة بمعنى ان القدس الشرقية تدخل في هذه الحدود فكيف يفسر كما يشاء بأن المدينة المقدسة سيبقى فيها مواقع اسرائيلية في القدس الشرقية، كما قال. وفي جانب اخر فان وزير الخارجية شيمون بيريز يتكلم عن المستوطنات ويرى ان الحل يقوم على «تبادل اراض» بالطبع بين الاسرائيليين والفلسطينيين وهو حسب تعبيره «واقع من الصعب تغييره» ومرة اخرى فالشكل الاولي للمبادرة لم يحدد المستوطنات بوصفها خارج اطار اراضي 1967 بل ان تفكيك المستوطنات مطلب عربي قديم حتى ان معظم خلافات اوسلو كانت حول المستوطنات التي تريد اسرائيل ان تبقيها بؤرا يهودية داخل اراضي 1967 وبالنهاية قال بيريز عن المبادرة انها «فرصة لاستئناف عملية السلام» فهل من المنطق ان يضع شروطه المسبقة ثم يعود ويقول فرصة لاستئناف عملية السلام التي ستدخلنا في مفاوضات جديدة قد تمتد اكثر مما امتدت مفاوضات اوسلو؟! الصورتان اللتان تعتبران الاشد بروزا على الساحة الحزبية الصهيونية واقصد الليكود والعمل بدا من الواضح ان الحزبين يتناوبان على موقف واحد فشارون وبيريز لا يريدان عمليا التراجع عن حدود 1967 وان برز ذلك بتعبيرات مختلفة والجانبان ايضا بدلا من قبولهما المبادرة يسعيان الى وضع شروطهما الخاصة اضافة الى دعوة الجانبين للقاء ولي العهد السعودي وفي كل هذا تلاعب واضح للهروب من المبادرة السعودية. وحتى الرئيس الاسرائيلي موشي كتساف يدعو الى لقاء ولي العهد السعودي الامير عبدالله حين قال للاذاعة الاسرائيلية: «ان مبادرة بهذه الاهمية وحاملة امل للعلاقات بين العالم العربي واسرائيل لا يمكن ان تتوقف عند مقابلة صحفية، ولذلك عرضت على ولي العهد السعودي مناقشتها» وبالطبع مناقشة بحسب السياسة الاسرائيلية هي اجتماعات ومفاوضات ومحاولات تطبيع. الخوف الشاروني ان شارون لا يمتلك اي مشروع سياسي؟! مقولة تتردد على ألسنة الاسرائيليين بشكل مستمر خاصة من خلال وسائل اعلامهم وبالتنسيق مع هذه الحقيقة فمن الواضح اولا واخيرا ان رئيس الحكومة الاسرائيلية بات لا يشغله سوى الاهتمام بالوزارة والحفاظ عليها وهي المهددة التي تهالكت وباتت نهايتها قريبة ولعل ما يمكن ان نضيفه الى تقارب انهيارها هو المشروع السعودي الذي وضعها على حدودها الفاصلة بمعنى ان الصراع بدأ منذ اعلان المبادرة يتعاظم فمن الليكود يقول الوزير بلا حقيبة داني نافيه: «لا يمكننا القبول بالعودة الى خطوط الهدنة في يونيو 1967 كما تقترح الخطة» بل ذهب الى ابعد من ذلك حين شكك بها بقوله «ربما يتعلق الامر بمناورة ولا شيء آخر» وبالطبع ليس «نافيه» اكثر المتطرفين في الليكود بل ان بعض اعضاء الليكود طالبوا من شارون شن حرب على الفلسطينيين ردا على المبادرة ويبدو انه استجاب لهم وهذا ما نراه الآن على ارض الواقع. بل ان المواقف الاكثر تطرفا بدأت تظهر في الكيان الصهيوني حتى ان البعض يطالب شارون باحتلال الاراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، ويأتي بعض الوزراء للمطالبة بمحاصرة المبادرة من خلال البقاء على حصار عرفات وعدم السماح له بمغادرة رام الله تحت اية ظروف وهذا الرأي تبناه وزير البنى التحتية «افيجدور ليبرمان» مؤسس حزب «اسرائيل بيتنا» الاكثر تطرفا من الليكود الذي قال: «اذا قررت الحكومة السماح لعرفات بمغادرة رام الله سأدعو الحزب لعقد اجتماع ومغادرة الحكومة في غضون اسبوع» واذا ما تم ذلك فان حكومة شارون ستمل بالتأكيد وهذا الامر يشكل بالنسبة لشارون المعضلة الاكثر تعقيدا بل الاكثر رعبا نظرا لتمسكه الشديد بزعامة الحكومة. ان موقف الحكومة الاسرائيلية وحتى الاحزاب الفاعلة في الكيان الصهيوني تؤكد بلا شك فقدانها لأي مشروع سلمي بل هي في الحقيقة تعتبر ذلك بمثابة «الغول» الذي يتهددها، مما يعني ايضا رفضها لمبادرة الامير عبدالله ويضع العرب امام تحد اسرائيلي جديد يبدو ان حله لن يكون الا بالمبادرة التي وضعها ايضا ولي العهد السعودي الامير عبدالله في قمة مسقط والتي تساءل فيها عن الوحدة الاقتصادية العربية والدفاع العربي المشترك والتي نتساءل مجددا عن تلك المبادرة التي تضع العرب في مكانهم الصحيح الذي يستطيع ان يكون اكثر فعلا وعملا من خلال الدفاع والاقتصاد العربي المشترك، فهل تكون مبادرة الاجتماع العربي والمصالحة العربية بديلا حقيقيا امام رفض اسرائيل لمبادرة الحدود والتطبيع ام ان القمة المقبلة ستوافق عليها امام العدوان الصهيوني على العرب جميعهم وتترك مبادرة الوحدة الاقتصادية والدفاعية وهي الاهم لكل العرب حيث من خلالها تستطيع الامة العربية ان تفرض شروطها على اسرائيل بل حتى على الولايات المتحدة. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق