هبوط المعنويات هو بداية النهاية، ثم ينتشر التذمر ليفضي بدوره الى حالات تمرد.. ومن ثم ينفرط عقد الانضباط فيعمد جنود الى الهروب من الخدمة بينما يلجأ اخرون الى اغتيال ضباطهم. هذا ما جرى في المرحلة الاخيرة من الحرب الامريكية ضد الشعب الفيتنامي فكانت النهاية المعروفة: هزيمة شاملة للجيش الامريكي بلا مثيل في التاريخ على يد الحركة الفيتنامية المسلحة. والان تظهر مؤشرات مبدئية مماثلة في صفوف الجيش الاسرائيلي في حربه ضد الشعب الفلسطيني فهل يعيد التاريخ نفسه؟ يشهد شاهد من أهلها.. فقد نشرت تعليقات الاسبوع الماضي لمؤرخ اسرائيلي معاصر قد نجد فيها مشروع اجابة عن السؤال المطروح. البروفيسور مارتن كريفيلد استاذ التاريخ في الجامعة العبرية الاسرائيلية في القدس يوصف بأنه ابرز المؤرخين العسكريين الاسرائيليين والرسالة التي انطوت عليها تعليقاته المنشورة في الصحافة الاسرائيلية تقول: «ان الجيش الاسرائيلي حتى وان بدا لفترة ما في البداية انه يكسب حربه ضد الجماعات الفلسطينية المسلحة فان النتيجة النهائية سوف تكون الفشل الذريع» وفي بلورته لهذا الاستخلاص استند البروفيسور الى ان معنويات الجيش الاسرائيلي «قد بدأت تظهر بعض علامات الهبوط والانهيار بسبب الضغوط المترتبة على محاولة السيطرة على ملايين الفلسطينيين لمنع الانتحاريين من دخول اسرائيل». ولكن لماذا تهبط معنويات جيش يعتبر من جيوش النخبة المتقدمة في العالم بأسره ويمتلك احدث ما انتجته تكنولوجيا الاسلحة؟ هذا بالضبط، يقول المؤرخ العسكري الاسرائيلي، هو سبب الفشل.. ذلك ان 99% من انواع الاسلحة المتوافرة للقوات الاسرائيلية عديمة الجدوى في التعامل القتالي مع جماعات مسلحة بارادة حديدية وتستخدم اسلوب حرب العصابات القائم على تكتيك المفاجآت. ثم يقول المؤرخ ان الجيش الاسرائيلي مصاب بالرخاوة والترهل. لماذا؟ لان اخر حرب نظامية خاضها كانت قبل اكثر من ربع قرن ـ تحديدا قبل 27 عاما عندما اندلعت وانتهت حرب اكتوبر 1973. وهذه نقطة تستحق وقفة، ثم عودة للوراء فقبل حرب 73 دخلت اسرائيل ثلاث حروب ضد العرب كان الفارق الزمني بين كل منها والثانية كمايلي: 8 سنوات بين حربي 1948 و 1956 و11 سنة بين حربي 1956 و 1967 ووقعت الحرب الرابعة في عام 1973 بعد 6 اعوام فقط من حرب عام 1967 ثم انسلخت سبعة وعشرون عاما قبل ان تشن اسرائيل حربها الراهنة كرد على الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت عام 2000. هذا الاسترخاء الطويل للجنود والمجندين الاسرائيليين من اجيال جديدة لم تعرف سوى ظروف السلام والرفاهية هو سبب الرخاوة والترهل اللذين اشار اليهما المؤرخ العسكري الاسرائيلي. وبوادر هذه الرخاوة وهذا الترهل رأيناها في مشهد القتال الجانبي في الجنوب اللبناني بين القوات الاسرائيلية وقوات «حزب الله» فقد كان الانسحاب الاسرائيلي المهين من لبنان استجابة لما اطلق عليه «ثورة الامهات» كانت الأمهات الاسرائيليات يتلقين من ابنائهن الجنود في ميدان القتال في لبنان صرخات استغاثة يومية بالهاتف الجوال فينظمن مواكب مهيبة الى رئاسة القوات المسلحة ورئاسة الوزراء. الان وفي ذروة المعمعة بين الجيش الاسرائيلي والمنظمات الفلسطينية المسلحة وهبوط المعنويات مع توالي الضربات الفلسطينية الموجعة والمباغتة لم يحتج الأمهات الى تسيير مواكب فقد اخذ المبادرة هذه المرة ضباط وجنود الاحتياط ومع مضي كل يوم تتسع دائرة التمرد بين صفوف هؤلاء الضباط والجنود حتى غدا عدد المتمردين حتى الان يربو على ثلاثمئة. يجري هذا على مسرح الحرب بينما على المسرح السياسي الاعرض داخل اسرائيل يتصاعد التوتر بين احزاب اليمين واحزاب اليسار وهنا يقول المؤرخ كريفيلد ان الضغوط التي يعاني منها الجيش سوف تزيد من التوتر بين اليمين واليسار وربما تدفع البلاد الى شفير حرب اهلية. ولو رجع ارييل شارون الى تاريخ الحرب الامريكية في فيتنام لوجد ان ثورة الشارع الامريكي ضد الحرب كانت سببا للهزيمة الامريكية بقدر ما كان هبوط معنويات القوات الامريكية في الميدان.