كان يحلم بمكان في السماء.. ليناطح السحاب.. ويواجه الشمس.. ويمد يده ليلتقط خيوط الضوء المنبعثة من النجوم.. أو ليشرب من حليبها الصافي.. اللامع.. وربما لهذا السبب كانت أولى أمنياته أن يكون طيارا.. لكنه تنازل عن هذه الأمنية.. كما تنازل عن أمنية أن يكون نجما في ملاعب الكرة.. وراح يتصور نفسه طبيبا مشهورا.. لكن طريق الطب يبتعد كثيرا عن طريق مدرسة التجارة المتوسطة التي تخرج فيها.. بل أن طريق مدرسة التجارة المتوسطة بدا له منتهيا بجدار سميك.. مسدود.. لا يوصله الى حلم واحد من أحلامه العريضة. لكن.. «محمد حسنين هيكل» لم يتردد في تجاوز هذا العائق والقفز فوقه.. راح يدرس في القسم الأوروبي في الجامعة الأمريكية.. وأتاح له ذلك حضور محاضرات صحفي شهير هو «سكوت واطسون».. كان يعمل في صحيفة «إجيبشيان جازيت».. أكبر الصحف الأجنبية في مصر في تلك الأيام.. أيام الحرب العالمية الثانية.. فتوزيعها يصل الى 250 ألف نسخة.. وكان يكتب فيها أسماء لامعة مثل «لورانس داريل» مؤلف «رباعيات الاسكندرية و«جورج أوريل» مؤلف الرواية الشهيرة «مزرعة الحيوانات».. كما مرت عليها «إيف كوري» ابنة مكتشفة اليورانيوم «ماري كوري». وذات يوم أنهى «سكوت واطسون» محاضرته بتوجيه دعوة الى من يريد أن يتدرب عمليا على الصحافة أن يلقاه في مكتبه بالصحيفة.. وفي اليوم التالي كان أربعة ممن استمعوا اليه يلبون الدعوة.. وينتظرونه.. كان على رأسهم «محمد حسنين هيكل» الذي بدأ مشواره الصحفي يوم 8 فبراير عام 1942 مساعد مخبر في قسم المحليات واختار تغطية أخبار الجريمة.. وبذلك يكون عمره الصحفي الآن قد وصل الى ستين سنة.. وهي مناسبة تستحق الاحتفال.. وظاهرة تستحق الانتباه.. فنحن أمام «جورنالجي» بدأ حياته مبكرا وعمره 19 سنة.. وشهد وتابع وغطى أحداثا جرت في خمسة عهود سياسية وصحفية مختلفة (فاروق ومحمد نجيب وجمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك) ليصبح واحدا من أهم 30 صحفي في العالم.. وفي أحيان كثيرة لم يكن مراقبا فقط وإنما كان مشاركا أيضا.. فهو نموذج متكامل لتداخل وتشابك خيوط الصحافة مع أسلاك السياسة.. كما أنه بقى لامعا سواء كان على علاقة طيبة بالسلطة أو في حالة عداء معها.. سواء كان رئيسا للتحرير أو كان كاتبا معزولا في بيته. وقد أتيح لي أن أسجل سيرته الشخصية والصحفية والسياسية وأصيغها في كتاب استغرق اعداده نحو 3 سنوات.. قرأت فيها معظم ما كتبه وما كتب عنه.. وتابعت خلالها محطاته المهنية وناقشته فيما أثير حوله وقابلت رفاق صباه في حي «الحسين» و«باب الشعرية».. ولكن.. ما يهمني الآن هو رحلته في بلاط صاحبة الجلالة التي كان واحدا ممن سيطروا عليه.. وتفسير معجزة استمراره وبقائه لامعا كل هذه السنوات الطويلة. لقد بدأ «هيكل» مشواره الصحفي في وقت كانت فيه الحرب العالمية في ذروتها.. ولم يكن صعبا في جو الحرب السائد أن تفتح كل الطرق السريعة أمام الأجيال الجديدة الشابة.. فهذه طبيعة الحرب.. يصنعها الشباب وتصنعهم.. في انتظار السلام الذي يوقعه الكبار.. دون أن يوقفوا التغيير الذي يحدث اجباريا بعد الحرب.. ولو كانت الحرب هي ذروة المأساة الانسانية الجماعية فإن الجريمة هي ذروة المأساة البشرية الجماعية.. والخوض في تفاصيلها يتيح مخزونا من التجارب والتفاسير للسلوك الانساني لا تمنحه أقوى الروايات الابداعية مهما كانت واقعية. مثل معظم الصحفيين بدأ «هيكل» عمله الصحفي في «الاجيبشيان جازيت» بتغطية أخبار الجريمة.. كان رئيسه صعيدي من اسيوط أسمر ممتلئ يمت بصلة قرابة للزعيم الوفدي «مكرم عبيد» هو «فليب حنين».. ولم يكن من الصعب الحصول على أخبار الجرائم أول بأول.. لكن كانت هناك مفاجأة من النوع الثقيل تنتظره.. لقد ألغى وزير الشئون الاجتماعية في حكومة الوفد «عبدالحميد حقي» البغاء الرسمي في مصر.. جاء قرار الالغاء باتفاق بين الوفد والانجليز فرضته ظروف الحرب واصابة جنود الحلفاء بالأمراض السرية بسبب ترددهم على بيوت البغاء.. وأثار القرار غضب الجنود المقاتلين في صفوف الحلفاء.. وكان رأيهم أنهم ما داموا سيموتون فلا معنى للخوف من الأمراض السرية.. وكان هناك طرف ثالث لم يعرف أحد رأيه هو «فتيات الهوى» أنفسهن.. وهو الطرف الذي فكر فيه رئيس تحرير «الإجيبشيان جازيت»: «هارولد إيرل» الذي طلب اجراء استفتاء بين «فتيات الهوى» بواسطة استمارة طبع منها 500 نسخة.. كان على «هيكل» أن يملأ 100 منها وجها لوجه.. وكان الشرط الأصعب هو أن يحصل على صورة لكل واحدة منهن توضع على الاستمارة الخاصة بها حتى تتأكد إدارة التحرير من صدق البيانات ودقتها. وفي رحلة بحثي في أرشيف «هيكل» الصحفي القديم عثرت على هذه القصة كما كتبها هو بنفسه.. ففي صفحة 20 من مجلة «آخر ساعة» رقم 546 نجد موضوعا صحفيا بعنوان «مواقف حرجة في حياة محرري آخر ساعة الغراء».. يروي فيه بعض محرري المجلة بعض ما تعرضوا له.. وكتب «هيكل» بالنص: «كنت أقضي فترة التمرين في «الاجيبشيان جازيت» وذات يوم جاءني سكرتير تحرير الجريدة وقال لي أن الحكومة تفكر في الغاء البغاء الرسمي وأن الجرائد كلها تكتب في هذا الموضوع دون أن تحاول واحدة منها أن تأخذ رأي أصحاب الشأن الأول وهم البغايا أنفسهن.. وطلب مني يومها أن أقوم بسؤال مائة بغي عن رأيهن في الموضوع قائلا أنه سيكون دليلا على مقدرتي الصحفية اذا تمكنت من استفتاء مائة بغي.. وكانت مهمة شاقة.. ولكن المسألة كانت مسألة امتحان. وذهبت الى الحي.. الحي الذي تستطيع أن تشتري فيه كل شئ.. ودخلت أول بيت وأنا أفكر في الصيغة التي ألقي بها السؤال ولكن يبدو أنني لم أوفق في اختيار الصيغة لأنني خرجت من البيت الأول مشيعا بسباب وصل الى أجدادي حتى عهد الملك مينا.. وحاولت.. وحاولت.. ولكن.. على غير فائدة.. وأخيرا أدركت عقم المحاولة.. وبدأت أفكر بهدوء.. وأحسست أن ثقتي في نفسي بدأت تفارقني.. والتفت فإذا مقهى قريب مني فذهبت اليه لأستريح وأفكر.. وفي أثناء جلوسي لاحظت وجود سيدة متقدمة في السن كان جميع من في المقهى ينادونها بالمعلمة باحترام قل أن يكون له مثيل.. ووثبت في ذهني فكرة.. فتقدمت من السيدة وشرحت لها كل مهمتي واثبت لها أن مستقبلي كله يتوقف على معاونتها لي وفكرت السيدة قليلا ثم قالت لي: أقعد.. وقعدت. بعد لحظات نادت بعض النساء.. وعقد الجميع مؤتمرا لبحث المسألة.. وجلست أنتظر النتيجة.. وفجأة صاحت إحداهن: نادوا عباس.. ومرت فترة ثم حضر شاب سمع المسألة ثم تقدم مني قائلا: معاك «كرنيه».. ولم يكن معي كرنيه ولا خلافه.. ولم يقتنع عباس.. ولكن المعلمة اقتنعت قائلة: «ده باين عليه ابن ناس».. وهززت رأسي مؤكدا أنني ابن ناس جدا.. فبدأت ترسل في طلب النساء من المنازل حتى أتاحت لي الفرصة أن أسأل مائة امرأة وأنا جالس في مكاني أشرب القهوة على حساب المعلمة. لم تمر سوى ستة شهور حتى دعا رئيس تحرير الصحيفة «هيكل» ورفاقه الثلاثة الى مكتبه قائلا: «إن حربا تجري على أرض مصر ومع ذلك فإن أحدا لم يصفها بعيون مصرية ولم يكتبها بقلم مصري».. ثم سأل: «هل منكم من هو مستعد للمخاطرة في تجربة جديدة وعلى مسئوليته وحده».. وتحمس «هيكل» للتجربة.. وهكذا وجد نفسه في ميدان الحرب في العلمين شاهدا على فصل هام وحيوي وحرج من فصول الحرب العالمية الثانية.. يراها ويعيشها.. وانتقل بذلك من الجريمة.. ذروة المأساة الفردية.. الى الحرب ذروة المأساة الجماعية.. ولا يمكن الاستهانة بجرأة «هيكل» وهو يتخذ هذا القرار.. فكل الأحداث المتلاحقة كانت تؤكد أن الهلاك سيكون من نصيبه.. كما أن كل الظروف كانت تشير الى أن الألمان قادمون.. وإن ايقافهم مهمة مستحيلة تحتاج الى معجزة لا تقدر عليها سوى السماء.. وحدها. سألته ذات مرة: «ما الذي تعلمته من تغطية أخبار الحرب».. فقال: «علمتني الحرب ألا أخاف الموت أو أتجاهله.. ظللت أقول لنفسي: إن الخوف هو الترف الوحيد الذي لا أملكه ولا أسمح له.. وفي الوقت نفسه أدركت مبكرا أن الانسان يشتري حريته.. فأنت حر بقدر ما أنت مستقل عن الآخرين.. بقدر ما تعتمد على نفسك.. وأنت قوي بقدر ما تواجه الخطر». لقد كانت الحرب هي مستشفى الميدان التي ولد فيها.. وقد أتيح له فيما بعد أن ينتقل من جبهة القتال في العلمين الى جبهة القتال في مالطا.. ثم كان عليه أن يغطي لحظة الاستقلال في باريس.. كل ذلك وهو في هذه السن المبكرة.. فكان أن تفتحت حواسه للخبر والخطر والسفر.. وهي الحواس الضرورية للصحفي التي بدونها تصبح الصحافة كتابة على مقعد متحرك في غرفة ملحقة ولو من بعيد بجهاز علاقات عامة في مؤسسة رسمية. لكن.. بنهاية الحرب تراجعت صحيفة «الاجيبشيان جازيت».. كما أن «هيكل» مهما فعل فيها فإن مستقبله الصحفي سيظل محصورا في جريدة تصدر في مصر بلغة أجنبية لا يقرأها الناس فيها.. وهكذا.. تقاطعت الطرق وافترقت أمامه.. وكان عليه الاختيار.. في تلك الأيام ذهب مع «فليب حنين» للغذاء في مطعم كان يسمى «الباريزيانا» وكانت تتردد عليه السيدة روز اليوسف الفنانة والصحفية الكبيرة.. وقدم «فليب حنين» لها «هيكل».. وعلى حد قول «هيكل» نفسه: «كانت هذه السيدة ذات الشخصية القوية كريمة في تشجيعها للصحفيين المبتدئين.. ودعتنا الى مائدتها مرات.. ثم دعتنا الى مجلتها.. وكان هناك لقائي الأول مع الصحافة العربية».. وكان ذلك في عام 1944. لم يمكث «هيكل» في روز اليوسف طويلا.. لقد كتب على صفحاتها في البداية عن «بنت الجيران» التي أغرتها قطعة «شيكولاتة» فتنازلت عن مشاعرها بلا تردد.. لكن.. أبرز ما يحتفظ به أرشيف المجلة السياسية العريقة له مقالين عن الملك «فاروق».. الأول في عدد 17 فبراير 1944 بعنوان: «إنه الفاروق».. والثاني في 11 مايو من نفس العام بعنوان «في يوم عيد ميلادك يا مولاي».. وفي المقالين نجد «هيكل» حريصا على الكتابة بأسلوب أدبي متميز.. والواضح أن حلاوة الاسلوب كانت تغطى على ما في المقال من معلومات وأخبار.. وأغلب الظن أن الغربة في صحافة «الإجيبشيان جازيت» أشعرته بالحنين الى الكتابة باللغة العربية.. وهي كتابة كانت تميل الى المحسنات اللغوية حتى في اللغة الصحفية.. وكان يمكن أن تستمر في ذلك لولا الانقلاب الذي أحدثته «أخبار اليوم» للتخلص من كل الشحوم والدهون في أساليب الخبر والرأي والعناوين الرئيسية للصحيفة. في تلك الأيام عرف «هيكل» أمير الصحافة وناظر مدرستها الحديثة «محمد التابعي محمد وهبة» وشهرته «محمد التابعي».. وهكذا.. بدأت مرحلة «آخر ساعة».. ويقول «هيكل»: «إن تجربة العمل الصحفي مع محمد التابعي ممتعة».. ويشهد أنه تعلم منه الكثير.. ويستطرد: «ولقد وجدتني شديد الاعجاب بأسلوبه السلس.. وفي البداية رحت أقلده».. لكن بعد عامين فقط من العمل في «آخر ساعة» باعها «محمد التابعي» الى الأخوين «مصطفى وعلي أمين».. ولا نجد في أرشيف المجلة الشهيرة ما يوحي ببريق «هيكل» إلا في 13 أغسطس 1947. عندما نشر تحقيقا صحفيا مصورا عن «خط الصعيد». استقل هو و«محمد يوسف» كبير مصوري «أخبار اليوم» سيارة جيب وراحا يشقان بها الطريق الى منفلوط (في أسيوط) ومنها الى حضن الجبل الذي كان «الخط» يتخذه مسرحا لعملياته.. كان هذا التحقيق بداية شهرته العريضة.. وفي العام نفسه كتب تحقيقه المصور عن قرية «القرين» في الشرقية التي كانت معزولة عن الدنيا بسبب وباء الكوليرا.. وكان من السهل أن يفوز بجائزة «فاروق» للصحافة بعد نشره.. وكانت هذه الجائزة هي جواز سفره الى خارج الحدود للكتابة عن ما يجري بعيدا عن الوطن.. وكانت «أخبار اليوم» أول صحيفة تسعى للسفر وراء الأحداث مهما كانت بعيدة. لمدة خمس سنوات.. ما بين عامي 1947 و1952 انطلق «هيكل» في تحقيقاته الخارجية.. راح يغطي انصهار الحديد والدم بين العرب والاسرائيليين في حرب فلسطين من أولها الى آخرها.. وانقلابات سوريا التي كان نظام الحكم فيها يتغير كما تتغير الأفلام في دور السينما.. والحروب الأهلية في اليونان بكل ما فيها من أحزان وجبروت.. وثورة الدكتور «محمد مصدق» في إيران التي كانت بروفة مبكرة جدا لثورة «الخميني».. وصراع الشرق المسلم والغرب العلماني في تركيا وهو صراع وصفه «هيكل» بصراع «الويسكي والحبرة».. وعمليات الاغتيالات الكبرى التي اجتاحت المنطقة.. من اغتيال الملك «عبدالله» في القدس الى اغتيال «رياض الصلح» في عمان.. الى اغتيال «حسني الزعيم» في دمشق. ولا جدال أن الأحداث والمناطق التي غطاها «هيكل» في رحلاته الخارجية المبكرة هي التي وضعت له أساس اهتماماته السياسية التي ظل يرعاها طويلا فيما بعد.. وربما الى الآن.. وعلى رأسها بالقطع قضية فلسطين.. إن عمر اهتمامه بهذه القضية هو عمر القضية نفسها.. باليوم والساعة والثانية. في 18 يونيو 1952 فاجأ «علي أمين» قراء «آخر ساعة» التي يتولى رئاسة تحريرها بمقال خصصه كله عن «هيكل.. انتهى فيه بقوله: «إنني اليوم أقدم استقالتي لأعود محررا عاديا في آخر ساعة وأقدم لكم مع الاستقالة رئيس التحرير الجديد محمد حسنين هيكل».. وفي أول يوليو أصبح «هيكل» رئيس تحرير وكان عمره 29 سنة.. وقبل أن ينتهي الشهر قامت ثورة يوليو التي كانت مرحلة أخرى في حياته المهنية والشخصية. ـ كاتب مصري