عندما لا تستهويك أخبار السياسة تقرأ الصحيفة بالمقلوب، وعندما يلجأ الجميع إلى استخدام المصعد تجد ان السلالم تطيل العمر لتعيش أكثر وتتفرج على بلاوي الحياة، عندما يدخل الجميع إلى مقر العمل ، من الباب الرئيسي تفضل الباب الخلفي لأنه الأقرب مسافة بين موقف سيارتك ومكتبك، ولأنك لست من أصحاب مبدأ «خالف تُعرف» فإن المصعد والمدخل الخلفي وقراءة الصحيفة بالمقلوب استثناءات تحولت إلى قواعد، وما قاله بريخت منذ أربعين سنة في مسرحيته «القاعدة والاستثناء» أصبح واقعاً وحقيقة تعيشها وتلمسها بيديك، لأنك عندما تستخدم المصعد ستعلق بأنفك رائحة مدخن شرس، أو بقايا قطيع محب للأطعمة الحريفة، كان قبلك في المصعد إذا كنت محظوظاً، وإذا كنت من غير المحظوظين فإن أحد أفراد القطيع سيكون رفيقك في هذه المساحة الضيقة حيث تفوح منه روائح كافية لتدمر مزاجك طيلة اليوم، فتلجأ إلى السلالم بحثاً عن هواء نقي ليس حباً في الرياضة بل هرباً من شخص لم يعرف الماء طريقاً إلى جسده منذ شهر. ولكن عندما تستخدم المدخل الخلفي لمقر عملك فهذا يعني انك شديد التهذيب ولا تريد سوى خفة الحضور، ورشاقة الوصول ولا يعني بحال من الأحوال انك لا تريد المرور بمكتب مديرك الذي ستضطر إلى القاء التحية عليه وسيسألك هل أنجزت عملك البارحة ولن تجد جواباً أفضل من «سأنجزه الآن»! أما إذا قرأت صحيفتك بالمقلوب فهذا يعني انك مللت من أخبار السياسة التي تصيبك بالسأم وترفع ضغطك ويصبح حالك حال الشاعر عندما قال: «ولا نأيها يُسلي ولا أنت تصبر». وتفضل الأخبار الخفيفة التي تتراوح بين زوجة قطعت أوصال زوجها بالساطور (يا لطيف) وبين جنيفر لوبيز أجمل نساء هوليوود، وستتوقف طويلاً لدى خبر طريف تتمنى لو كنت بطله حيث قام جيران شخص محب للضحك بطرده من المبنى لأنه يقهقه بصورة مزعجة بعدما اتصلوا بالشرطة واشتكوا منه فتم طرده! ولو استخدمنا مقياس عادل إمام في مسرحة شاهد ما شافش حاجة «لو كل حد عزل من بيته لأن ساكنة فوقه رقاصة، البلد كلها ح تبات في الشارع» فإن في كل بناء عشرات الأشخاص الذين يستحقون محضراً لدى الشرطة، مثلاً ان يكون جارك محباً للموسيقى خاصة بعدما اشترى استريو جديدا من تخفيضات كارفور وقام بتجربته لمدة أسبوع حيث صوت الموسيقى يتجاوز حدود شقته ليطرب سكان الأبنية المجاورة، وقطعاً لن يسمع احتجاجاتك أصلاً لأنه مندمج بموسيقاه الصاخبة، فلا يصغي لصوت الجرس ولا لرنين الهاتف، ولا خيار أمامك إلا ان تتصل بالشرطة إذا كنت كائناً حضارياً تعرف النظام وتقدر الظروف الانسانية، ولو كنت عكس ذلك ستكسر عليه باب الشقة وترميه من النافذة وتلحقه بالاستريو الجديد ( يا ساتر يا رب). ولأن بعض الأبنية تتجاو إلى درجة فقدان الخصوصية فإن رائحة طعام جيرانك ستحتل غرفة نومك ولا مفر لك من أحلام الملوخية والكبب الحلبية والكوارع المصرية، إذا كان جيرانك عرباً، أما إذا كانوا آسيويين فإن كوابيس البرياني والصالونة والسمبوسة ستقودك إلى نوم مضطرب وجسد مطحون لم يطرح حامض اللبن بشكل جيد، فتذهب إلى عملك بوجه منتفخ ورأس مصدوع، وعيون حمراء كالجمر، وعلى ذكر الجمر لن تنسى رائحة شيشة جارة جديدة ساقتها الأيام إلى شقة مجاورة حيث المعسل والتفاح والفراولة المدخنة تملأ فضاء بيتك بعد منتصف الليل لأن جارتك المصون لا يعتدل مزاجها قبل هذا الوقت. ان مخالفة السائد أصبحت مقياساً للمنبوذين اجتماعياً في وقت فقدت فيه القيم والسلوكيات الانسانية والحضارية وعدم اندماج المرء فيما يفعله الناس صار مؤشراً على التكبر والغرور وهي مفاهيم خاطئة تنتشر هنا وهناك دون مراعاة لحقوق الآخر وتقبله كما هو عليه شريطة الا يؤذي الناس، ورحم الله امرأً قال ذات يوم «حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين» فطوبى لكم يا أحرار.