في حين لم تخف الادارة الامريكية الجديدة دعمها لسياسة شارون القائمة على التصعيد في مؤشر الاغتيالات والمداهمات للاراضي الفلسطينية، فإن دول الاتحاد الاوروبي عبرت عن استيائها من سياسة شارون، وقراراته الجنونية والتي قال عنها منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا انها سياسة تدفع في اتجاه اشعال حرب في منطقة الشرق الاوسط. علاوة على ذلك فإن دول الاتحاد الاوروبي غير راضية عن الدعم اللامحدود الذي تقدمه الادارة الامريكية الجديدة لرئيس الوزراء ارييل شارون واعتبرت ان التصعيد سببه استغلال شارون للدعم الامريكي له للقيام بما عجزت عن القيام به كل الحكومات الاسرائيلية السابقة. وللحقيقة ان الولايات المتحدة الامريكية بدأت منذ تفكك الاتحاد السوفييتي تعمل على ابعاد اوروبا من المشاركة في ادارة الازمات الدولية وفي الترتيبات الجارية لاقامة نظام دولي جديد وهذا الابعاد سببه خوف الولايات المتحدة الامريكية من ان يكون لأوروبا الموحدة تأثير فاعل في العلاقات الدولية قد يؤثر على مصالحها وعلى مركزها كقطب منفرد بالادارة الدولية، وهذا الخوف بدأت تشعر به الولايات المتحدة الامريكية غداة انتهاء حرب الخليج الثانية التي لم تحقق دول الاتحاد الاوروبي فيها اية مكاسب اقتصادية مع انها انساقت وشاركت الولايات المتحدة الامريكية في تحرير الكويت، فوقتها عبرت بعض دول الاتحاد الاوروبي منها فرنسا عن رغبتها في اتخاذ مبادرات دولية مستقلة عن المظلة الامريكية وبدأت دول الاتحاد الاوروبي تنسق فيما بينها عبر اتخاذ مبادرات مستقلة كمبادراتها لاحلال السلام في كوسوفو والشرق الاوسط إلا ان الولايات المتحدة كانت تعمل كل مرة على افشال المبادرات الاوروبية وظهر جليا ذلك في قضية كوسوفو حيث افشلت المساعي الاوروبية ولجأت الى توجيه ضربات للقوات الصربية عبر الحلف الاطلسي وقادت العمليات العسكرية بمشاركة بريطانيا وغياب معظم دول الاتحاد الاوروبي. فالخوف الامريكي من ان يكون لاوروبا كيانا مستقلاً عن المظلة الامريكية هو الذي دفع بالولايات المتحدة الامريكية الى اتخاذ مبادرات عسكرية واقتصادية تصب في اتجاه احتواء الكيان الاوروبية ومنعه من اتخاذ اي مبادرات انفرادية يمكن ان تؤثر على الولايات المتحدة الامريكية مستقبلا، فالتوسع الاطلسي جنوبا مثلا فسر على انه توسعا لاحتواء التحرك الامني والعسكري الفرنسي والاسباني والايطالي في منطقة جنوب اوروبا ومنطقة الحوض المتوسط بينما ادعت الولايات المتحدة ان التوسع يستهدف التهديد الآتي من الجنوب وكانت تقصد من ذلك ما اسمته «الارهاب المتوسطي» اي الجماعات الفلسطينية وحزب الله التي تتبنى المقاومة كخيار لردع اسرائيل عن اعمالها الارهابية في الاراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية المحتلة، كما ان التغير الحاصل في استراتيجية الحلف الذي اعطى لنفسه حق التدخل في اي نزاع دولي يعني فيما يعنيه ان الولايات المتحدة الامريكية هي التي تشرف على ادارة الازمات عسكرياً ودبلوماسياً اما المشاركة الاوروبية فإنها تقتصر على المشاركة الرمزية لا اكثر، وقد تفطنت دول الاتحاد الاوروبي الى ما خططت الولايات المتحدة الامريكية له ولكنها لم تقدر على معارضة الولايات المتحدة الامريكية لانها لا تمتلك وسائل الردع والتأثير التي تمتلكها الولايات المتحدة الامريكية ومع ذلك عارضت فرنسا مشروع التوسع الامريكي نحو الجنوب وعارضت ابقاء الولايات المتحدة الامريكية العديد من قواعدها العسكرية في اوروبا وخاصة قواعدها في منطقة حوض البحر الابيض المتوسط التي تعتبرها فرنسا منطقة نفوذها المباشر والتي تشمل منطقة الشرق الاوسط لان هذه المنطقة تعتبر امتدادا جغرافيا للحوض المتوسط وبذلك فإن المنطقة في التصور الفرنسي تعنيها اكثر ما تعني الولايات المتحدة الامريكية، فاسرائيل عضو كامل في الشراكة الاوروبية المتوسطة وقد حضرت لقاء برشلونة الاوروبي المتوسطي الذي دعى اطراف النزاع الى احلال السلم في المنطقة من اجل انجاح مشروع الشراكة واقامة منطقة تجارية متوسطية تضم الدول المتوسطية بمن فيها اسرائيل وفلسطين عام 2010م. من هنا نفهم لماذا تقف فرنسا وراء المبادرات الاوروبية الاخيرة لاقناع اطراف النزاع بالعودة الى طاولة المفاوضات ولكن الملاحظ هو الرفض الامريكي لجميع المبادرات الاوروبية لان الادارة الامريكية لا تريد اشراك اوروبا في العملية السلمية في الشرق الاوسط وحتى اسرائيل ذاتها بدأت تتذمر من التصريحات الاوروبية وخاصة التصريحات الفرنسية التي تدعو صراحة الحكومة الاسرائيلية الى ايقاف عملياتها العسكرية ضد المدنيين الفلسطينيين العزل وتدعو الى تنفيذ ما اتفق عليه سابقا واكثر من ذلك لا تريد اسرائيل ان تشارك اوروبا الموحدة في اية ترتيبات لاحلال السلم في الشرق الاوسط لانها «أي اسرائيل» تعتبر اوروبا محسوبة على العرب اكثر ما هي محسوبة على اسرائيل ولذلك فهي تميل الى الولايات المتحدة الامريكية اكثر ما تميل الى دول الاتحاد الاوروبي على الرغم من انها محسوبة على التكتل الاوروبي المتوسطي مثلها مثل فلسطين ومصر وسوريا ودول المغرب العربي. وبخلاف فرنسا التي تقود التوجه الاوروبي الجديد الذي يدعو الى التجسيد الفعلي للكيان الاوروبي الموحد والمستقل عن الكيان الامريكي والى تحقيق السيادة الكاملة لاوروبا فإن بريطانيا العضو في الاتحاد لاتزال تتخذ توجها آخر معارضاً للتوجه الاوروبي الجديد ومع ان بريطانيا دولة من دول الاتحاد الاوروبي فهي تحسب على المعسكر الامريكي اكثر ما تحسب على المعسكر الاوروبي وسبب ذلك ان بريطانيا تعتقد ان انسياقها الاعمى وراء الادارة الامريكية سوف تحقق من ورائه مكسباً دولياً في اطار الترتيبات الجارية لتوزيع مراكز القوة في النظام الجديد الذي تمخض عن تفكيك الاتحاد السوفييتي فبريطانيا لاتزال تنظر الى نفسها كامبراطورية وقوة اقليمية يجب ان يكون لها مكانة دولية محترمة في هذه الترتيبات وهي تعتقد انها اذا تخلفت عن الاستجابة للدعوات الامريكية بالمشاركة في ادارة الازمات الدولية سواء من خلال العمل العسكري او العمل الدبلوماسي فإن الولايات المتحدة الامريكي لن تساعدها في الحصول على ما تطمح اليه ويتأكد ذلك من حرب افغانستان الاخيرة التي سارعت بريطانيا الى مشاركة الولايات المتحدة الامريكية في القيام بضربات جوية على قوات طالبات وتنظيم القاعدة بل واعلنت انها تضع اياديها في ايادي الولايات المتحدة الامريكية في محاربة ما يسمى بـ «الارهاب الدولي» وراحت الى ابعد من ذلك حيث اعلنت عن استعدادها في المشاركة في اي مخطط يستهدف ضرب العراق. وما يثير الاستغراب هو انه كلما لوحت الولايات المتحدة الامريكية بضرب اي دولة من دول العالم تسارع بريطانيا الى اعلان تأييدها للخطوة الامريكية غير آبهة من ان تنوي الادارة الامريكية الاقدام عليه هو شرعي او غير شرعي، ويثير الموقف البريطاني المساند لاي قرار امريكي الحيرة لماذا تنساق دولة اوروبية عضو في الاتحاد الاوروبي وراء قرارات الولايات المتحدة الامريكية وتصبح متحمسة لتنفيذ القرار اكثر من الولايات المتحدة الامريكية ذاتها؟ هل وراء هذا الاندفاع والانسياق الاعمى دوافع ومصالح تنوي بريطانيا تحقيقها؟ ولماذا لا تحذو بريطانيا حذو دول الاتحاد الاوروبي التي اصبحت مواقفها لا تنسجم مع المواقف الامريكية من قضايا العالم وأولها قضية الشرق الاوسط والتي يظهر فيها تباينا بين الموقفين الامريكي والاوروبي وهذا التباين بدأ يأخذ منحنى آخر خاصة بعد التصعيد الاسرائيلي الخطير ضد الاهداف المدنية الاسرائيلية وقرارات رئيس حكومة اسرائيل شارون بوضع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات تحت الاقامة الجبرية، واستنكرت دول الاتحاد الاوروبي ما اقدم عليه شارون واعتبرت ذلك تجاوزاً خطيراً سوف ينسف العملية السلمية كلها، ان بريطانيا لاتزال تعتبر نفسها مؤهلة لقيادة اوروبا اكثر من فرنسا فالعداء التاريخي بين القوتين لايزال قائما وكلا منهما يسعى لقيادة اوروبا، فبريطانيا تشعر بالكبرياء ولذلك فقراراتها مستقلة دائما عن القرار الاوروبي فهي تريد ان تشد الحبلين، الحبل الامريكي الذي تعتقد ان الانسياق ورائه يحقق لها مكاسب ومكانة دولية، والحبل الاوروبي الذي لا تريد الانسلاخ عنه لكي لا تترك لفرنسا حرية التحرك والانفراد بالادارة الاوروبية، ومع ذلك فهي تدعى أمام الرأي العام البريطاني انها لا تنقاد خلف الادارة الامريكية وانها تتمتع بالسيادة في توجهاتها الخارجية ولاحظنا ذلك عندما زار توني بلير الشرق الاوسط واعلن فيها عن قبوله اقامة دولة فلسطينية وتوجهه الى افغانستان التي اعلن فيها استعداده مساعدة الشعب الافغاني فهذه «الخرجات» مجرد مسرحية لذر الرماد في عيون الرأي العام البريطاني والاوروبي على ان اوروبا لاتزال تتمتع بنوع من الاستقلالية في قراراتها اما الحقيقة فهي غير ذلك وهي ان الولايات المتحدة الامريكية في عالم ما بعد الحرب الباردة وخاصة بعد حوادث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة التي كشرت فيها عن انيابها واثارت الرعب والترهيب في نفوس كل دول العالم حتى اصبحت كل دولة تنتظر ان تسقط عليها الصواريخ الامريكية تقول ان الولايات المتحدة الامريكية لن تسمح لا لفرنسا ولا لبريطانيا ولا لدول الاتحاد الاوروبي من ان يكون لها اي دور فاعل ومؤثر في الحياة الدولية وخاصة في ادارة الأزمات وتحديد ادارة ازمة الشرق الاوسط لانها ربطت المنطقة بما اسمته بمحاربة الارهاب الدولي فما على دول الاتحاد الاوروبي إلا ان تغرس رؤوسها في رمالها وتكمم افواهها لكي لا تتهم هي الاخرى بالضلوع في الارهاب الدولي هذا هو العصر الامريكي الجديد. ـ كاتب جزائري