اطرف ما في التقرير السنوي عن اوضاع حقوق الانسان في العالم الذي تصدره وزارة الخارجية الامريكية انه اذ يعالج احوال 190 دولة فان هناك دولة واحدة بعينها سكت عنها تماما هذه الدولة هي الولايات المتحدة الامريكية! وهكذا تصر واشنطن على تنصيب نفسها وصيا على البشرية وواعظا لها تبحث عن عورات الدول دون ان تنظر في مرآة لترى ان حتى ورقة التوت سقطت عنها. وهذا التقرير السنوي هو نفسه عورة امريكية لانه سجل غير محترم لانه يعكس كيف ترى الولايات المتحدة اوضاع حقوق الانسان في العالم من منظور مصالحها ورؤاها الذاتية فقط وليس من منظور المباديء الاخلاقية العامة او قواعد القانون الدولي. التقرير الصادر الاسبوع الماضي يحكي عن ما جرى في العالم خلال العام المنصرم 2001. ولانه اول تقرير سنوي يصدر منذ احداث سبتمبر 2001 فان السياق العام الذي يتغشاه هو «المعركة ضد الارهاب» وللربط بين «الارهاب» وحقوق الانسان يقول التقرير ان «المعركة ضد الارهاب تشكل جزءا من معركة اكبر من اجل الديمقراطية». وهكذا تفتتح فصول التقرير بكذبة عظمى فاذا صح اطلاق صفة ما على ما طعن من تطورات جسيمة خلال النصف الثاني من عام 2001 ابتداء من اليوم الحادي عشر من سبتمبر فان ذلك العام المنصرم يكون «عام التضحية بالديمقراطية باسم مكافحة الارهاب» سواء داخل الولايات المتحدة او خارجها. منذ ذلك الحين فقد الشعب الامريكي في ظل انحسار متسارع لقاعدة سيادة القانون كل ما كان يتمتع به من حريات مدنية، لقد تلاشى سريعا عهد استقلال القضاء مفسحا المجال لعهد من المكارثية يستخدم فيه رجال الاستخبارات سلطات استثنائية جديدة لاعتقال اي فرد داخل الاراضي الامريكية لمجرد الشبهة واحتجازه لاجل غير مسمى مع حرمانه من اي حقوق قانونية بما في ذلك الحق في الاستعانة بمحام. ومن داخل الولايات المتحدة انتشر عهد الارعاب الامريكي ليشمل دولا اخرى فرأينا كيف تفضل الادارة الامريكية التعامل مع انظمة الحكم الاستبدادية وكيف تضغط على انظمة ديمقراطية لتتخلى عن سيادة القانون وتطلق ايدى عناصر الامن في المداهمات والاعتقالات العشوائية بالاضافة الى استخدام التعذيب بأنواعه. ولو اراد واضعو التقرير السنوي الامريكي عن احوال حقوق الانسان في العالم ان يتوخوا الموضوعية والتجرد لبدأوا بالحالة الامريكية غير ان اسقاطهم المتعمد للولايات المتحدة من فصول التقرير مع التعرض لحالات نحو 190 دولة يفضح الامر برمته فالتقرير ليس سوى مناسبة سنوية تتخذ فيها واشنطن هيئة الوصي والواعظ لتشن حرب تشهير لاعتبارات ذاتية بحته. ويشاء الله ان ينطوى التقرير الصادر هذا العام على فضيحة عظمى لم يستطع واضعو التقرير الاهتداء الى اي وسيلة للتغطية عليها. فالتقرير السنوي الصادر في مطلع عام 2001 المنصرم اعد ونشر بطبيعة الحال قبل وقوع احداث هجمات سبتمبر وحمى «مكافحة الارهاب» وكان من بين ما تضمنته فصول التقرير اشارات حادة الانتقاد الى ظاهرة المحاكم العسكرية في بعض دول العالم الثالث. لكن هذه الاشارات اختفت تماما عن التقرير الراهن الصادر لتوه عن وقائع عام 2001 بما فيها تداعيات احداث سبتمبر ومن بين هذه التداعيات كما نعلم قرار صادر عن الرئيس بوش بجواز تقديم المتهمين بالارهاب (من غير الامريكيين) الى محاكم عسكرية تماما كما تفعل حكومات العالم الثالث الاستبدادية. لقد ورد في التقرير السابق ضمن ما ورد ان «المحاكم العسكرية لا تضمن محاكمة مستقلة للمتهمين المدنيين قيد المحاكمة». وورد ايضا ان «القضاة العسكريين ليسوا مستقلين وغير مؤهلين كالقضاة المدنيين في تطبيق قانون العقوبات المدني». وهكذا مع حذف مثل هذه الفقرات من التقرير السنوي الجديد تقر واشنطن على نفسها بصورة ضمنية بأنه رغم ادراكها ان المحاكمات العسكرية تضحي بالعدالة فانها الآن تسمح لنفسها بتقديم متهمين مدنيين اليها مما يعتبر من اعظم الاساءات الى حقوق الانسان. فكيف تعظ واشنطن غيرها.. وكيف تنصب من نفسها واعظا؟ احمد عمرابي