كانت اسبانيا ولا تزال بلداً مصدراً للهجرة إلى الخارج، وان كانت خلال العقدين الأخيرين شهدت عودة جانب كبير من هؤلاء المهاجرين الذين يعملون في بلدان أوروبية بعد أن تحسنت الأوضاع الاقتصادية، في اسبانيا بعد انضمامها إلى السوق الأوروبية عام 1986، لأن معظم هؤلاء كانوا ينتمون إلى تلك الهجرة «الاقتصادية» التي أصابت بلدان العالم النامي. أما من هاجر من الإسبان باتجاه أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة فان معظمهم هاجروا بنية الاستقرار النهائي ليكونوا امتدادا للهجرة الإسبانية التي بدأت باكتشاف العالم الجديد قبل خمسة قرون مضت. وان كان بعض هؤلاء المهاجرين بدأوا في «التفتيش» من جديد عن جوازات اسبانية بعد أن أصابت الأزمات الاقتصادية بلدانا كانت في السابق من الجاذبة إلى الهجرة مثل الأرجنتين التي تعيش أسوأ لحظاتها التاريخية اقتصاديا. لكن الموقع الجغرافي لاسبانيا، لوجودها على الحدود الجنوبية لأوروبا والمتاخمة أو القريبة جدا من نقاط التماس مع أفريقيا عبر مضيق جبل طارق، جعل منها بلدا مستقبلا للهجرة الجديدة من بلاد العالم النامي، بعد أن أصاب القحط والفقر والبؤس معظم البلدان «المتحررة» حديثا في أفريقيا وآسيا، إلا أن اسبانيا في الحقيقة لا تمثل سوى محطة لجانب كبير من المهاجرين الاقتصاديين الذين بدءوا يفدون إليها بالقوارب الخشبية والمطاطية عبر مضيق جبل طارق، والتي أصبحت تجارة رابحة لمافيا جديدة تضاف إلى مافيا تهريب المخدرات والدخان التي كانت ولا تزال تسيطر على جانب كبير من تلك الشواطئ. اختلاق العداء لهذه الأسباب ولأسباب أخرى أصبحت اسبانيا فجأة مستقرا لجانب كبير من المهاجرين الاقتصاديين من شمال أفريقيا، من المملكة المغربية والجزائر بشكل خاص، وهم في معظمهم من المسلمين، استقروا في أنحاء متفرقة من المدن والمناطق الريفية الإسبانية التي يتوفر فيها العمل الشاق وغير المرغوب فيه من جانب الإسبان أنفسهم. مع استقرار هؤلاء المهاجرين في أعمالهم جلبوا زوجاتهم وأسرهم، وبالتالي جاءت معهم عاداتهم وتقاليدهم التي كانوا يمارسونها في مواطنهم الاصلية، وهو ما يعتبره البعض دلالة على عدم التفكير في الاستقرار النهائي، وان وجودهم في اسبانيا ليس سوى محطة زمنية يعودون بعدها إلى بلادهم عندما يتوفر لديهم المال الكافي الذي يسمح لهم بإقامة حياة أفضل. هذا الوضع الجديد تماما على المجتمع الإسباني، وعلى نظامه حديث العهد بالديمقراطية، لأننا لا يجب أن ننسى أن أول انتخابات ديمقراطية جرت في البلاد كانت عام 1978، بعد أربعين عاما من الدكتاتورية التي كان يقف على رأسها الجنرال فرانكو، وأن الحزب اليميني الحاكم حاليا حديث العهد بالحكم أيضا منذ نجاحه في إبعاد الاشتراكيين عام 1996، كل هذا خلق مناخا غريبا تجاه المهاجرين بشكل عام، وتجاه المغاربيين منهم بشكل خاص، وفي كثير من الأحيان يبدو هذا المناخ غير طبيعي، نظرا لوجود من يحاول خلق مناخ من القلق في المجتمع الإسباني بهدف استخدامه لتحقيق أهداف خاصة. ثم بعد أحداث سبتمبر الماضي في نيويورك وواشنطون وما أعقبها من محاولات كيل الاتهامات لجماعات إسلامية متطرفة بدأت مؤسسات معينة، من بينها وسائل إعلامية معروفة بتوجهاتها المناوئة للعرب والمسلمين، تحاول استغلال ابسط تصرف من جانب أي مسلم أو مسلمة غير متسق مع ما تسميه تلك المؤسسات ب«القيم الحضارية الغربية» التي يخشى عليها من التأثر بهذه التصرفات الإسلامية، وكأن القيم الاجتماعية الأخرى غير الغربية، سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، لا تعتبر قيما حضارية تقف على قدم المساواة مع القيم الحضارية الغربية!. من أبرز تلك التصرفات، الحملة الإعلامية الغريبة وغير المسبوقة التي شارك فيها للأسف عدد من أعضاء من الحكومة الإسبانية حول إصرار «فاطمة»، الفتاة المغربية التي تبلغ من العمر خمسة عشر عاما، على وضع «ايشارب» على رأسها لإخفاء شعرها أثناء وجودها في الفصل الدراسي، باعتباره جزءا من العادات التي تربت عليها في وسط أسرتها وقريتها المغربية التي ولدت وتربت فيها، ويعتبر جزءا أيضا من العادات التي يجب أن تحافظ عليها في مهجرها. تناقض واضح كان يمكن لهذا الأمر أن يمر بسلام ودون أن تثار من حوله تلك الزوبعة الإعلامية/السياسية لو أن الراهبة مديرة المدرسة الكاثوليكية أخذت المسألة على ان غطاء شعر فاطمة لا يعدو أن يكون استجابة لمعتقد ديني أو اجتماعي تؤمن به التلميذة الصغيرة، مساويا تماما لغطاء الرأس الذي تضعه تلك المديرة/الراهبة نفسها على رأسها تطبيقا لأحكام الرهبنة الكاثوليكية التي تعتنقها، لكن الراهبة الكاثوليكية «المحجبة» ترفض أن تدخل مدرستها تلميذة مسلمة «محجبة»؟!. لم يتوقف رفض الراهبة لدخول فاطمة المدرسة عند هذا الحد، بل أنها تولت بنفسها نشر الخبر في العديد من وسائل الإعلام، وإبلاغ قرارها إلى أعلى مستويات الإدارة التعليمية، وكأن فاطمة ارتكبت جريمة بشعة يعاقب عليها القانون، مما يشي بأن الأمر من ورائه أهداف أخرى. وحتى لا تجد الإدارة التعليمية بمقاطعة مدريد نفسها في مواجهة مع «المدرسة الكاثوليكية»، وما يمكن أن ينتج عن تلك المواجهة من عواقب وخيمة مع الكنيسة، تقرر نقل «فاطمة» إلى مدرسة حكومية، وقبل أن تتوجه التلميذة المغربية إلى الدراسة خرجت علينا مديرة المدرسة الحكومية بتصريح غريب يقول: «أن حجاب فاطمة غير دستوري»!. انطلاقا من هذه الواقعة شهد الإعلام الإسباني حملة غريبة من التصريحات، ما بين أغلبية مؤيدة و أقلية رافضة، لقرار مديرة المدرسة لوجود تلميذة مسلمة محجبة بين تلاميذها، بدأ الحملة وزير العمل الذي أدار ظهره لمجتمعه الذي يؤكد الدستور الإسباني أنه «مجتمع علماني»، وأيد قرار مديرة المدرسة، وأكد أنه على فاطمة أن تنزع عن رأسها «الحجاب» حتى يتم قبولها في المجتمع التعليمي، لأن «الحجاب» في رأيه إهانة للمرأة. ثم جاءت وزيرة التعليم، وبالمناسبة هذه المرأة كانت يسارية سابقة في شبابها وشاركت في مظاهرات معادية لنظام فرانكو لكنها لم تجد غضاضة في أن تحتل منصب وزيرة في حكومة حزب يميني يعتبر حكم الجنرال فرانكو ميراثا تاريخيا له«؟!»، لتؤيد تصريحات مديرة المدرسة، وترفض أن تدخل فاطمة المدرسة إلا بعد أن تنزع الحجاب، لأنه في رأيها مخالف للقوانين التي تحكم العمل في المؤسسات التعليمية الإسبانية، دون أن توضح الوزيرة ماهية تلك القوانين التي لا توجد في الأصل، لأن النظام التعليمي الإسباني لا يضع قوانين خاصة بالتعليم، وإن كان يقنن فقط التفريق ما بين التعليم الخاص والتعليم العام، ويترك الحرية كاملة لتلاميذ المدارس الحكومية في ارتداء الزي الذي يرغبون فيه، أما المدارس الخاصة فلكل مدرسة أن تحدد قواعد زي التلاميذ الذي يكون موحدا عادة طبقا للمؤسسة التي تديرها، وفي اسبانيا معظم المدارس الخاصة تابعة لمؤسسات كاثوليكية، لكنها مجبرة على قبول نسبة معينة من تلاميذ لا يدفعون مقابلا للدراسة فيها مقابل إعانة مالية تحصل عليها من الحكومة المركزية. بل استغلت الوزيرة هذا الحدث وذهبت إلى أبعد من ذلك، وطالبت كل المهاجرين المسلمين بالتخلي عن عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم واعتناق العادات والتقاليد والقيم الغربية التي يؤمن بها المجتمع الإسباني، إذا كانوا يرغبون في العيش بسلام والاندماج في هذا المجتمع! الآخر المفروض هذه الزوبعة التي دارت حول «حجاب فاطمة» في الحقيقة لا يهمها إن كانت فاطمة محجبة أم عارية الرأس، لكنها نبعت عن مصالح أخرى يهدف إليها الذين شاركوا في تلك الحملة الغريبة. أولا أن هناك من يحاول استغلال تلك الأحداث الهامشية للنيل من المجتمعات العربية والإسلامية مستغلا المناخ السلبي السائد في المجتمعات الغربية بعد أحداث سبتمبر، فكل مسلم هو «متطرف» حتى يثبت عكس ذلك. هناك من يحاول استغلال الحدث سياسيا للحصول على «أصوات انتخابية» لجانب من المجتمع الإسباني يجهل حقيقة ما يمثله الإسلام، وكل أصابع الاتهام موجهة إلى حزب الحكومة الحالية التي استغلت أحداثا مماثلة وقعت في منطقة «المرية» ضد المهاجرين المغاربة قبيل الانتخابات العامة التي جرت العام الماضي، ونجح مرشحوها هناك على حساب مرشحي اليسار الذين دافعوا عن المهاجرين، وطالبوا بحقهم في العمل والعيش في هدوء. أن المجتمعات الغربية بسبب تفوقها اقتصاديا وعسكريا في الوقت الراهن أصبحت تنظر إلى الثقافات الأخرى على أنها ثقافات أدنى منها، ولم تكن تصريحات رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني سوى تفكير بصوت عال يعكس هذه الرؤية، لأن تلك التصريحات لا تفترق في الحقيقة عن موقف الراهبة التي رفضت وجود فاطمة بحجابها بين تلميذات مدرستها، ولا تختلف عن موقف وزيري العمل والتعليم الإسبانيين اللذين يجهلان قوانين بلادهم التي تنظم سير العمل في المدارس الإسبانية، أو مديرة المدرسة الحكومية التي ترى أن «حجاب فاطمة» غير دستوري، وكأنها تتحدث عن دستور بلادها في القرون الوسطى الذي كان يسمح لمحاكم التفتيش بأن تحدد الزي الذي يجب أن يرتديه غير الكاثوليكيين إلى أن انتهى الأمر إلى طرد الموريسكيين من بلادهم لتبقى اسبانيا خالصة للكاثوليكيين وحدهم. المجتمعات الغربية التي تدعي أنها تدافع عن الديمقراطية باعتبارها النظام الوحيد الذي يسمح بالتعددية، ليست في الحقيقة سوى مجتمعات شمولية لا تسمح بالرأي الآخر، ولا تقبل بوجود الآخر إلا في إطار قبوله لقيمها. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا