على صعيد العلاقات الشخصية بين أفراد المجتمع، وكذلك في العلاقات العامة بين الناس ضمن منظومات المجتمع ككل، نلحظ وجود ما يمكن ان نقول عنه بأنه أزمة او اشكالية علاقات او اشكالية تعبير عن مكنون ومتطلبات هذه العلاقات، وهي اشكالية من نوع دقيق وخفي احياناً. هذه الاشكالية تحكم وتتحكم في الناس بشكل كبير، فأغلب الناس الذين نتعامل معهم ونعيش بينهم ونسمع عنهم ومنهم، يريدون من بعضهم البعض أشياء كثيرة على صعيد التفهم والاحترام والدعم والمحبة والاحساس والتقدير والمساعدة و... الخ، لكنهم لا يحصلون على أقل القليل أحياناً مما يتوقعونه، وهم حين يطلبونه لا يعرفون كيف يفعلون ذلك! وعليه فإن مطالبهم وأمنياتهم لا تتحقق ولا تصل. كما ان الكثيرين يخطئون في حق بعضهم البعض، بجميع مستويات الخطأ، ثم يقعون في مطب الحيرة ازاء تصحيح اخطائهم، فنجدهم لا يعرفون كيف يصححون او يعتذرون بغير اللجوء للجملة المملة التقليدية: (أنا آسف أو أنا آسفة)، فالآخر يريد ان يرى شعورك بالخطأ في حقه بشكل أكثر دفئاً وحميمية، لكنه قد يذهب الى آخر درجات الغضب أو الزعل اذا سمعك تقول له بكل برود انا آسف! لقد قرأت عن سيدة أخطأت في حق صديقتها بشكل كبير، وحولت جزءاً من أيامها الى شكل من المعاناة عندما أغرت ابن صديقتها المراهق بالزواج منها وترك أمه ووالده ومدرسته، لكن هذه الصديقة عندما أيقنت خطأها، لم تقل لصديقتها او للشاب انا آسفة، بل غلفت صورة فوتوغرافية كبيرة تجمعها بصديقتها أيام الطفولة وأرسلتها مع بطاقة تقول لها انها تفتقدها كثيراً، ثم غيرت عنوانها وعادت لزوجها الأول واضعة الشاب أمام حقيقة العودة الى عائلته! مثل ذلك يحدث حينما يشعر البعض بعاطفة تجاه شخص ما لكنهم لا يعرفون الطريقة الصحيحة للتعبير عنها لسبب او لآخر فيراوحون في القلق والتوتر والتساؤل من جانب واحد عن مشاعر الطرف الآخر دون ان يتخذوا خطوة واحدة للأمام، لكن احد العشاق حينما اراد ان يعبر للفتاة التي يحبها عن مشاعره، وكان عربياً يقيم في باريس، ومحبوبته باريسية، استأجر صفحة كاملة في الصحيفة التي اعتادت حبيبته ان تطالعها يومياً، واكتفى بأن يكتب في الصفحة جملة (أنا أحب يا حبيبي...) ووقع اسمه أسفل اعلان المحبة، ودفع ثمن اعلان صفحة كاملة! فعلاً للناس فيما يعشقون مذاهب، وفيما يختارون من طرق للتعبير عن مشاعرهم كذلك، ولذلك لا نستغرب سلوك ذلك الفتى الذي وقف تحت نافذة حبيبته حاملاً يافطة اعلانات ضخمة مكتوب عليها (هل تتزوجينني) وقد نشر خبره في الجرائد يومها.. فهل هناك يعيش الناس أزمة علاقات أم أزمة تعبير عنها؟ وهل ما يمكن ان يعبر به الباريسي يمكن ان يعبر عنه الانسان في مجتمعنا؟ بالتأكيد لا، لكن دائماً هناك اكثر من طريقة، واكثر من وسيلة.. وربما تكون وسائلنا أجمل لأنها أكثر خصوصية وحميمية.