سألني وملامحه توشي ببركان الغضب في صدره، وصخرة ذل «سيزيف» تكاد تدك أضلعه وتقصم ظهره: أما زلت قادراً على التوائم مع هذا الواقع العربي، وتمارس تلك الطقوس اليومية، وتعيش هذه الحياة، بعد أن فرضت سطوة الارهاب الدولي الصهيوني كلمتها، وجرعتنا ما لم يتخيل «سيزيف» ـ رمز الذل وعبثية العبودية الاغريقية ـ ان يطلع على الانسانية يوم تعايش فيه مثل تلك الصنوف من التنكيل التي يمارسها عسكر الاحتلال الاسرائيلي يومياً ضد الفلسطينيين؟ انعقد لساني وهو يقذفني بحجم كلماته وتساؤلاته: أحسدكم على هذه القدرة الاستثنائية، فأنتم تديرون كل خدودكم اليسرى لِتُصفع يومياً، والابتسامة لا تفارق الشفاه، راضون بالمهانة، وقصارى أملكم ان يكون ما يجري هو أقصى ما سيفعله الهمجي الصهيوني بنا، وألا تسوقه الحماقة الى المزيد! قلت في نوبة شجاعة «كلامية» تدفع تهمة الجبن ولا ترد حقاً سليباً، ولا تكلف المرء حياته: وأكثر مما قلت، لم يتوقف التواؤم مع الواقع عند هذا الحد بل تجاوزه الى آفاق، لم يتخيلها كل أبطال «الحنجوري.. والثورة قايمة والكفاح دوار» على رأي آخر الساخرين العظام محمود السعدني، فالمقالات تتدفق كمياه الفيضان، والشعارات ما زالت ترفع من أجل تحرير الأقصى والقدس، دون ان تراق نقطة دم واحدة، طالما تحقق خيارنا الاستراتيجي في السلام، ولا يهم عشرات الشهداء الذين تروي دماؤهم يومياً تراب فلسطين، فالمهم أن أمننا القومي ما زال بخير، وخطر الحرب لا يتهددنا، وطالما بقيت يقظتنا وحكمتنا وعدم وقوعنا في الفخ الذي يستدرجنا له شارون!! وكأن عقدة اللسان قد انفكت تواصل الكلام: ألا تدري أن الأدهى من الذل والمهانة هو ادمان التعايش معهما، مثلما حدث مع «سيزيف» اليوناني، الذي يتصاغر الى جوار «سيزيف» العربي! وكومضة البرق في ليلة بلا ملامح، استدعيت دليل دفاع مجانياً عن كرامتنا العربية، قدمه بطل فلسطيني حصد ببندقيته «الخردة» ماركة «كارين» سبعة جنود بينهم ضابطان اسرائيليان وثلاثة مستوطنين صهاينة عند أحد الحواجز العسكرية. وقلت لمحدثي: أليس هذا دليلاً كافياً على بقاء الكرامة العربية مصونة، دون ان تخدشها آفة «سيزيف» المنتشرة كالوباء في فضاءاتنا لدرجة تدفع الشامتين الى كظم غيظهم، من هذا البطل الفلسطيني، الذي عكف في صبر نادر على اعادة اصلاح البندقية المتهالكة ودقها بالمسامير، لتصبح سلاحاً أشد فتكاً من كل الترسانات العسكرية المكدسة دون نفع. وزدت مباهيا، كعادتنا، بما يقدمه الشهداء، وكأنما نشاركهم بطولاتهم، ونحن جالسون كعواجيز الفرح: ان البندقية الخردة، التي وصفها احد القيادات الاسرائيلية بأنها أشبه بالمكنسة، لم تكن محشوة برصاصات عادية، مثل باقي الاسلحة ولم يكن زنادها مثل باقي البنادق، بل كانت محشوة بنيران غضب عربي مخزون بقوة تراكم العدوان الصهيوني اليومي على مرأى ومسمع العالم الصامت او العاجز، وكأن زنادها من فولاذ الكرامة المهانة والثأر لقيم أمة كانت خير أمة اخرجت للناس. استوقفني بايماءة اختلطت فيها السخرية النبيلة بالغضب: لا تقل لي ان فيكم شيئاً من كرامة هذا البطل، أو انكم تختزنون من أمثاله في حشاياكم فلن أصدقك، مثلما فعل رجال الأمن الاسبان مع نساء مسلمات استهواهن استدعاء أمجاد الأندلس، وهن في ندوة أقيمت في قرطبة، وأردن ان يؤدين الصلاة، في أطلال مسجدها الذي تحول الى شيء آخر، ولم يتح لهن حتى التمتع بلحظة هروب من الحاضر المؤلم الى الماضي السعيد! وختمت الحديث رهبة من الوصول الى منتهاه الذي لن يرضى به احد، وقد يسوقني الى متاهة الجنون، واكتفيت بأن أردد: أنا عربي!