لا تنجح أية خطة قومية في تحقيق معدلات أعلى من التنمية الشاملة الا بتكامل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، خصوصا بعد أن أثبتت التجارب أن عدم شمول مفهوم التنمية يبطئ ايقاع تقدمها، وان الجانب الثقافي الذي يشيع وعي التنمية ويدعمه لا يقل أهمية عن غيره من العوامل الاجتماعية أو الاقتصادية. وقد أثبتت التجارب، في الوقت نفسه، ان أي مفهوم للتنمية لا يغدو شاملا أو فاعلا الا اذا تضمن ما يكفل القضاء على كل أشكال التمييز بين الرجل والمرأة. وشجع المرأة على اداء أدوارها الأساسية على كل المستويات، وفي كل المجالات. ويعني ذلك مضاعفة الجهود للارتفاع بمستوى دخل الاسرة، وتأهيل المرأة علميا وثقافيا وعمليا للمشاركة في العملية الانتاجية، وتنشيط اسهامها في العمل العام واشراكها في اتخاذ القرارات التي تتعلق بمستقبل المجتمع كله. وتعني التنمية الشاملة توازي الاهتمام بالقرية والبادية الى جانب المدن والحواضر، ومن ثم عدم التركيز على المدن الكبرى وحدها، تاركين المدن الصغيرة والقرى والبوادي دون الاهتمام الواجب، ولا شك ان بذل المزيد من الجهد للاهتمام بمشكلات الاسر المعيلة في المناطق المهمشة، تقليديا لابد أن يعود بالفائدة على المجتمع كله، خصوصا في اطار خطة قومية تتعاطف مع ذوي الدخل المحدود، وترعى الفقراء بما يحقق معنى العدل الاجتماعي ويجسد تكافل طبقات الأمة في مد يد العون والرعاية لكل من يستحقها. ولا يزال الانفجار السكاني في بعض الاقطار العربية من التحديات التي تحتاج الى مواجهة أكثر جذرية وفاعلية، وذلك بواسطة حملات قومية، تتضافر فيها كل الدول العربية، وتتجاوب فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والدينية والصحية، وتتعاون فيها كل أجهزة الدول ومؤسساتها مع كل منظمات المجتمع المدني وتجمعاته الاهلية، وذلك بهدف اشاعة اشكال جديدة من الوعي الاجتماعي العام، والحد من معدلات الانفجار السكاني بكل الوسائل الممكنة. ولا شك أن اسهام المرأة مطلوب في هذا المجال الصعب الذي يعرقل خطط التنمية ويفقدها فاعليتها. وهو مجال يؤكد اهمية الوعي الصحي واقترانه بالرعاية الصحية اللازمة، والمتاحة للجميع دون استثناء، ومن ثم تأكيد أن الوقاية هي الخطوة الجذرية في العلاج. وان الوعي الصحي له فاعليته التي تتكامل بالتعليم والاعلام والثقافة. ويوازي ذلك النهوض بمستوى التعليم العام والنوعي. وهو تحد اخر من التحديات التي لا تزال تواجه الأمة العربية. لقد انشأنا مئات المدارس والمعاهد والجامعات وانجزنا الكثير من عمليات تحديث التعليم وتطويره. ولكن لا يزال امامنا عمل أكثر، وتحديات أصعب، خصوصا حينما نضع في اعتبارنا أن مهمة تطوير التعليم وتحديثه هي شرط من شروط المستقبل الواعد، وان النجاح المستمر في هذه المهمة بمعدلات غير مسبوقة هو الاساس في كل امكانات التقدم. واذا كانت الحاجة ماسة الى المضي قدما في تطوير تقنيات التعليم وتحديث مضمونه، والعمل على استكمال تزويد كل معاهده بأجهزة المعارف الحديثة وتقنياتها، فإن الحاجة ماسة بالقدر نفسه للمزيد من تطوير تعليم البنات، وتحديث مضمونه، والعمل على مواجهة بقايا الأمية، جنبا الى جنب احتمالات التسرب، كذلك لابد من الاهتمام بصورة المرأة من خلال العمل الاعلامي في كل مجالاته. تجسيدا للصورة الحقيقية للمرأة العربية التي يتم تشويهها أحيانا بدون عمد، وابرازها في صورة سلبية لا تتناسب وواقع حياتها الاجتماعية أو اسهاماتها الفعلية في تقدم المجتمع. واذا كنا في حاجة الى تنشيط الذاكرة القومية باستعادة الصفحات المجيدة من نضال المرأة العربية، في كل مراحل تاريخها، وفي كل مجالات عملها، فنحن في حاجة الى ابراز حضور المرأة العربية الجديدة، تأكيدا للتحولات والمتغيرات الايجابية التي حدثت، والتي لا تزال تحدث في مجتمعاتنا العربية. إن صور الاستاذة الجامعية والعالمة في المعمل والوزيرة والسفيرة والطبيبة وخبيرة تقنية الاتصالات وعشرات الوظائف الحديثة التي تشغلها المرأة، وتسهم من خلالها في تقدم المجتمع، تحتاج الى أن تبرزها أجهزة الاعلام، وأن تؤكد حضورها الصاعد نحو المستقبل، كما تحتاج في الوقت نفسه الى مواجهة المعوقات الجامدة التي لا تزال تحول بين المرأة المصرية والاسهام الأكثر فاعلية في مجتمعها. وتكتمل التحديات التعليمية والاعلامية بالتحديات الثقافية، وذلك بكل ما تفرضه هذه التحديات من تطور الاداء الثقافي على كل المستويات التي تفضي الى تطوير وعي المجتمع وتحديثه. ولا نزال في حاجة الى توسيع شبكات المكتبات العامة لتشمل كل حي في كل مدينة، وتشمل كل قرية، تأكيدا لثقافة الاستنارة التي تستطيع مواجهة ثقافة الاظلام ورواسبها. ولا نزال في حاجة الى تطوير صناعة الكتاب. وانتاج الكتاب المسموع المقروء، والكتاب الالكتروني جنبا إلى جنب الاتساع بحركة الترجمة التي تضعنا في موضع القلب من المعارف العالمية الجديدة. ويتحقق ذلك بتشجيع المبادرات الخلاقة، وتحرير العقل من القيود التي يمكن أن تحجر عليه، وتشجيع المبدعات على التعبير الخلاق. واذا كانت الاصالة تعني تأكيد هويتنا، والحفاظ على ثوابتها الروحية وقيمها الدينية. فإن الاصالة يكتمل معناها بالحرص على التجديد المستمر والاضافة الخلاقة التي تفتح العقول على امكانات لا نهاية لثرائها. ولا أظنني أقول شيئا جديدا لو قلت ان الثقافة هي القوة الدافعة للتنمية بكل جوانبها، واننا من هذا المنطلق في حاجة الى تحقيق المزيد من التكامل والتفاعل بين كل الدول العربية من منظور الاعتماد المتبادل، تحقيقا لمعنى الوحدة العربية، وتجسيدا لهدف من أهدافها، داخل خطة قومية طموحة في اعتبارها امكانات المستقبل الواعد. وليس ببعيد عن هذه التحديات العمل على مراجعة واستكمال التشريعات التي تسهم في تحرير المرأة داخل المجتمع وتجسيد مساواتها بالرجل في الحقوق والواجبات التي نص عليها الدستور. ويستلزم ذلك مراجعة القوانين التي لا تزال تحول بين المرأة وتحقيق كل أمانيها الوطنية والإنسانية. ويقودني ذلك الى ذكر التحدي الأخير الذي يتصل بمدى المشاركة السياسية وحدودها. ولابد أن نعترف أن أمامنا الكثير من العمل لتوسيع قاعدة مشاركة المرأة في الانتخابات، ولا يتحقق ذلك باستخراج البطاقات الانتخابية لكل النساء فحسب وانما باشاعة الوعي باستقلال المشاركة النسائية.