شهد الداخل الأمريكي في ستينيات القرن الماضي، صراعاً بين الاتجاهين العلماني، الذي نادى بفصل الدين عن الدولة،بقيادة الجماعات اليهودية من جهة، وبعض الجماعات الأخرى، ذات التوجه الديني من جهة أخرى .بحيث رأى معظم أعضاء الجماعة اليهودية أن مصلحتهم تكمن في تزايد معدلات العلمنة، وأن هذا هو الضمان الوحيد لحريتهم بل وجودهم . وقد اكتسح هذا التيار المجتمع الأمريكي في الستينيات، ووصلت عملية الفصل بين الدين والدولة مراحل هستيرية حتى أن ذكر كلمة الإله في الكتب المدرسية منع، ومنعت الصلوات كما منعت نشاطات الجمعيات الدينية في المدارس حتى لو أرادت تسجيل نفسها على أنها من جماعات الهوايات أو كرة القدم! ولكن مع بداية السبعينيات، بدأ رد فعل ضد هذا الاتجاه وبدأت حركة بعث ديني ذات طابع أصولي . والطريف أن هذه الحركة ذات توجه صهيوني بمعنى أن أتباع هذا الاتجاه يرون عدم إمكان أن يتم الخلاص المسيحي إلا بعد عودة اليهود إلى صهيون « فلسطين »!يجدر الإشارة إلى أن، انتخاب جون كيندي كان تعبيراً عن انتصار الاتجاه اللبرالي، بل ثمرة ما توصل إليه المجتمع الأمريكي في أنسنة العلاقات على المستويين الداخلي والخارجي، وللإنصاف لم ينته هذا الاتجاه بالغيلة الرهيبة لكندي من قبل اليمين في عام 1963 بل حمل مهمته بكل أمانة الرئيس جونسون، من خلال تشريع الحقوق المدنية عبر الكونجرس للمساعدة على إنهاء التمييز ضد السود،ومن الملاحظ أن اليهود أنفسهم في تلك الحقبة كانوا أقوى المؤيدين لهذه المشاريع .بل أكثر من ذلك تعاطف اليهود مع قضايا العمال المكسيكيين الأمريكيين والهنود والسود الذين يدخلون الولايات المتحدة بدون وثائق رسمية. تحالف الضدين لكن السؤال المفصلي والمهم للغاية، هو متى وأين بدأ اليهود الإسرائيليون والأمريكيون يحاولون التحالف مع الأصوليين ـ الإنجيليين من غلاة المحافظين مثل جيري فالويل؟ ولما كانت العلاقة المشتركة ليست هي التي توحد بين الأصوليين ـ الإنجيليين واليهود فما الذي يوحد بينهما؟ يطالعنا المبشرون التلفزيونيون مراراً وتكراراً أن الدولة اليهودية توفر لهم مكاناً يلتقون فيه بيسوع ويحصلون على البركة ـ الأبدية ـ ونظراً لأننا نعرف أن أمثال جيري فالويل وجيمي سواجارت وبات روبرتسون ومعظم المبشرين التلفزيونيين يؤمنون إما بمقتل اليهود أو إيمانهم بالمسيح، فلماذا يحاول اليهود التعاون معهم!ولماذا ينمي اليهود المعتقدات اللاهوتية الراسخة لاقامة تحالف مع الأصوليين اليمينيين؟ إن هذه التساؤلات وغيرها أجاب عنها الباحث والمتخصص الإسرائيلي بشؤون الولايات المتحدة، في التلفزيون الإسرائيلي، تسفي رافياح في البرنامج الأسبوعي يوم الجمعة 4/12/1999، بالقول: «قبل كل شيء أريد العودة قليلاً إلى الماضي، فنحن نتحدث طيلة الوقت بمصطلحات التاريخ، وأعتقد هنا أنه من المناسب أن نشير إلى عدة مصطلحات أساسية في علاقاتنا مع الولايات المتحدة، وهنا أود العودة إلى ما تحدثنا عنه قبلاً وهو رسالة الـ 76 سيناتوراً للرئيس فورد لإلغاء الحظر واستئناف المساعدات لإسرائيل، وكانت هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها اسرائيل الكونجرس الصراع الذي كان لها مع الإدارة في البيت الأبيض بالكونجرس.فقد تعلمنا من هذه المعركة من الـ 76 سيناتوراً الذين وقعوا على رسالة الرئيس والتأثير والصدى الذي كان لذلك، ليس فقط داخل الكونجرس بالذات وليس فقط داخل الإدارة، وليس فقط في أوساط الجالية اليهودية، أو في أوساط العالم كله بما في ذلك العرب، وهو أنه في معادلة القوة هذه بيننا وبين الإدارة يوجد لنا الكونجرس.. ولذلك بعد ثلاث سنوات عندما اقترح الرئيس كارتر صفقة الطائرات الضخمة من طراز أف ـ 15 كان ذلك الكونجرس الذي صارع ضد الصفقة».ويضيف أن »البيت الأبيض يدير السياسة الخارجية، لكن الكونجرس بالتأكيد يساهم في بلورة السياسة الخارجية ويؤثر عليها، ولكن تاريخ علاقات اسرائيل مع الولايات المتحدة على الأقل تثبت أن الكونجرس قام بدور محترم تجاهنا. أما سيمحا دينتس «رئيس الوكالة اليهودية سابقاً»، فقد أجاب وفي نفس المناظرة أنه، لا توجد في شبكة العلاقات مع الولايات المتحدة أية قضية ثنائية، فلا خلاف على أرض ولا على مياه ولا خلاف اقتصادي. ولكنه يتساءل في معرض حديثه عن كيفية سير الأمور بالنسبة لأمريكا؟ ليجيب الولايات المتحدة بوصفها دولة عظمى لها مسؤولية كونية، وفي الشرق الأوسط أيضاً سواء كان ذلك في إطار الحرب الباردة، أو كان في إطار العلاقات مع دول المنطقة.عود على بدء ، يمكننا أن نضيف أن قوة الكونجرس الحالي تفوق قوة السلطة التشريعية قبل عقد السبعينات.وقد تعززت قوة الكونجرس، وبلغت شأواً لم تبلغه من قبل، جراء تغيرات في البنية والميزانيات والاستراتيجيات طرأت على النظام السياسي في واشنطن عقب حرب فيتنام، وقضية ووتر جيت، وتفكك الاتحاد السوفيتي.من هذا التغير، أو المنظور، فرغم أن الرئيس يقود، في الواقع مركبة السياسة الخارجية، لكن مكانة اسرائيل ليست موضوعاً تقليدياً من موضوعات السياسة الخارجية. مرجعية مشتركة مع ذلك كله، يمكننا القول أن ثمة عناصر مستقرة في القلب من المرجعية الأيديولوجية ـ الثقافية الأمريكية، ومن عمل اللوبي اليهودي، تحمل تهيؤاً لتأييد اسرائيل وموقفاً من المساندة التلقائية لها، وتؤثر، حكماً، في القرار السياسي. وهذه العناصر تستطيع بوجودها أن تفسر الطابع المتميز للعلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية وان تفسر دعم واشنطن الثابت لتل أبيب. لكن إلى أي حد؟ هل يمارس التهيؤ والاستعداد لموالاة اسرائيل أثره على الرغم مما يطلق عليه عادة اسم المصلحة؟ أم تراه يتم على الأقل من دون أخذ هذه المصلحة في الاعتبار؟ إن ما يطرحه هذان السؤالان في الحقيقة هو العلاقة بين المرجعية الأيديولوجية ـ الثقافية وبين المصلحة، وكذلك العلاقة بين التفسير بالدينامية الداخلية وبين التفسير الاداتي.لهذا السبب بالذات وجد سيمحا دينتس، أن الرئيس ريجان على سبيل المثال كان مريحاً لإسرائيل لأنه قدم من هوليوود، وكان معظم أصدقائه من اليهود، كما أنه كان نشطاً جداً في الاتحاد التجاري في هوليوود، وكان هذا الاتحاد يدار من قبل اليهود، فهو جاء مع مشاعر جيدة تجاه اليهود. دون أن نسقط أن الرئيس ريجان، كان من المهتمين بالمبشرين التلفزيونيين أمثال فالويل وغيره، بل وتربطه علاقة لاهوتية أو إذا شئت دهرية مع هذا المبشر البروتستانتي وغيره، ومن الجدير بالذكر أن جمهور هؤلاء المبشرين يتعدى الأربعين مليون نسمة في الولايات المتحدة، وهم يمثلون الانتلجسيا الأمريكية، إذا صح التعبير، الممثلة لكافة القطاعات السياسية والحزبية والتجارية والعسكرية والصناعية والاقتصادية. وقد استفادت اسرائيل من هذا الوضع، وهي تعتبر هذه الجماعات جماعات ضغط لصالحها، بل إن بعض المعلقين السياسيين الإسرائيليين يرون أنها أكثر أهمية من جماعة اليهود كجماعة ضغط باعتبار أن اليهود أقلية توجد خارج المجتمع الأمريكي « المسيحي » حتى ولو كانت مندمجة فيه.أما الجماعات المسيحية الأصولية، فهي ليست مندمجة فيه وإنما هي جزء عضوي منه تعمل من داخله. مع الأخذ بالاعتبار، أن العلاقة القائمة بين الطرفين علاقة جدلية لا يمكننا فصلها أو حل رموزها إلا بشكل دراسي وحسب، فقد نجح ذات مرة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نتانياهو في بداية تسلمه الحكم، في تحريك رئيس مجلس النواب الأمريكي نيوت جينجريتش والقس جيري فالويل وعدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، لدعمه ضد سياسات إدارة الرئيس كلينتون، بعد إضعافها من خلال إثارة قضية مونيكا لوينسكي. وفي ظل هذه الظروف لم يشأ كلينتون ومساعدوه المضي في مواجهة مباشرة مع نتانياهو وأصدقائه اليهود والجمهوريين المحافظين.وقد سبق أن حدث بعض هذا الأمر في الماضي، لكن ليس على هذا النطاق. فليس هناك سابقة بهذا المستوى من التدخل الإسرائيلي في السياسة الداخلية للولايات المتحدة. وليس مستغرباً إذا ما قلنا أن أحداث 11سبتمبر الماضي قد حدثت بسبب هذه الخلافات الداخلية، التي ظهرت بشكل واضح وجلي في نتائج الانتخابات الرئاسية، والشكوك التي دارت حولها، وبعض التداعيات التي أحدثتها، ومن بينها ما يسمى السلام في الشرق ومكافحة الإرهاب وما إلى غير ذلك من المقولات التي تشاع إسرائيلياً وأمريكياً.إذاً القضية أصبحت مكشوفة، فهي ليست رهينة عدم معرفة الآخر بنا كما يدعي البعض، بل سياسة مبنية على فكر أصولي جامد ومتحجر لا يرى في الآخر إلا عدواً من نوع آخر مختلف، فقد أكد هذه الحقيقة اليهود الليبراليون مثل هاعام وبوبر وماجنيس ومينوهين أن الفلسطينيين «مسيحيين ومسلمين» هم سكان البلاد الأصليين وتطابقوا مع آلام الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا مأوى، كذلك تطابق اليهود الأمريكيون اللبراليون ـ ربما أكثر من أية مجموعة أمريكية أخرى ـ مع الأمريكيين الآخرين كالسود والهنود الذين عانوا من التمييز العنصري وعملوا على التخفيف من آلامهم. كان لليهود الأمريكيين اللبراليين روابط قوية في المؤسسة اللبرالية الشمالية التي غالباً ما يتناقض معها اليمين المسيحي في كثير من القضايا. اللبراليون اليهود النشطون والمشهورون يعيشون في الشمال الشرقي والمراكز المدنية الرئيسية وخصوصاً مدينة نيويورك. كان لديهم القليل من الاهتمام أو المعرفة بالأصوليين الإنجيليين الذين تواجدوا في الغالب في الجنوب والغرب والوسط والغرب الأقصى. لم يكن بين المجموعتين سوى القليل من الاهتمامات المشتركة أو لا شيء على الإطلاق. فالكثير من الأصوليين الجنوبيين ريفيون وعنصريون يؤمنون بأنهم ـ كبروتستانت أنجلو ـ ساكسون بيض أفضل من السود والهنود والكاثوليك والصينيين واليابانيين والهندوس والمسلمين. وهنا تحضرني الذاكرة أنه في لحظة تاريخية كان بعض زعماء البروتستانت اليقظين قد أحس عالمياً بمأساة الفلسطينيين المشردين وشملوهم في محاولاتهم لدعم المحرومين في جميع أنحاء العالم. التي كانت آراؤهم متناسقة مع آراء مجلس الكنائس العالمي الذي يعمل في جنيف ويمثل 300 كنيسة ذات تقاليد بروتستانتية وكاثوليكية وأرثوذكسية قديمة من 100 بلد. حق القوة في هذا الصدد ترى الكاتبة الأمريكية جريس هالسل أنه: يستطيع اليهود أن يتعايشوا مع الأولويات الداخلية لليمين المسيحي التي يخالفه فيها اليهود بصورة جذرية لأن هذه القضايا ليست مهمة كإسرائيل . أما البعد الآخر بالنسبة لمؤيدي اسرائيل فقد تحولوا إلى مسيحية صارمة أو ما يسمى مسيحية القوة. فالكثيرون من الزعماء في المجموعتين يؤمنون بالمزيد من الأسلحة والجيوش المتنامية والمزيد من القتال وتحقيق الأهداف بالقوة العسكرية. بالمقابل يؤمنون بذات القدر بضرورة العمل على تجريد الآخر من قوته أياً يكن حجمها وتأثيرها، ولعل اتهام جورج بوش الابن الأخير، وقبله بوش الأب للدول التي تمتلك جيوشاً وقدرات تسليحية مثل كوريا والعراق وإيران وسوريا وحركة حماس وحزب الله وغيرها بأنها قوى شريرة ويجب محاربتها، جاء استناداً إلى هذه القناعة اللاهوتية الدهرية.أكثر من ذلك نجد أن هناك مراكز تمويل أمريكية خاصة ، تعمل على تشويه صورة العربي والمسلم من جهة والاغيار من جهة أخرى، وهذه المراكز هي: 1- المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية ويصدر مجلة «فورين أفيرز ». 2- معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، وهي مؤسسة أبحاث مرتبطة باللجنة الإسرائيلية الأمريكية للشؤون العامة «ايباك»، ومن أنشط عناصرها مارتن أنديك « اليهودي الأسترالي الأصل»، ودينس روس من أركان مجلس الأمن القومي الأمريكي، ومن مهندسي التخطيط لدبلوماسية البيت الأبيض في ولاية الرئيس الأسبق بيل كلينتون. 3- مركز جامعة هارفارد للشؤون الدولية. 4- مركز جامعة جورج تاون للدراسات الاستراتيجية والدولية ومن أبرز أعضائه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق. 5- مركز الدراسات الدولية بجامعة برنستون. 6- مركز الدراسات العربية بجامعة جورج تاون. 7- معهد ماساشو ستس للتكنولوجيا mit. 8- معهد دراسات الشرق الأوسط mesa. 9- معهد التربية الدولية «المتخصص في منح السلام» iie . 10- مركز الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جون هوبكنز. 11- مركز الدراسات الأمريكية السياسية والعسكرية بجامعة شيكاغو. 12- معهد بيركلي للدراسات الدولية. 13- معهد أبحاث ستانفورد. 14- معهد هوفر للحرب والسلام والثورة بجامعة ستانفور. ومن الجدير ذكره أن مجموع هذه المعاهد والمراكز، قد شاركت في دعم «المركز الأكاديمي الإسرائيلي»، الذي أنشئ في القاهرة عام 1982، وتوالى على رئاسته خمسة من رجالات المخابرات الإسرائيلية ذوي الاهتمام العلمي وهم: شيمون شامير، وجبرائيل واربورغ سفير اسرائيل الأسبق في مصر، وهو على علاقة وطيدة بالموساد، وأشير عوفاديا، ويوسف جينات، وعمانوئيل ماركس. وقد كان هدفهم تحويل ما أمكنهم ذلك للعقل المصري، وتحويل أدوات البحث العلمي إلى خناجر مسمومة ضده.مما تقدم، نرى بكل وضوح ضرورة عدم تهميش قوام الحدود المشتركة، بين الغرب وإسرائيل عموماً وبين الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص، وذلك بسبب التماهي الثقافي فإن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لن يكون لها خيار إنهاء دعمها لإسرائيل، ولعل الكاتب الأمريكي وليم كوانت أجاب عن هذه العلاقة بكل وضوح عندما تحدث عن حدود خارجية تفرضها الدينامية المجتمعية الأمريكية على حرية عمل الرئيس.لجملة هذه الأسباب مجتمعة، يجب علينا الاعتراف، أن القضية التي نعيشها، ليست جهلاً أو إساءة فهم الآخر بنا، بقدر ما يتعلق الأمر بموروث ثقافي ـ أيديولوجي، لا يمكن للولايات المتحدة التخلي عنه من جهة، والتحالف الانجلوسكسوني من جهة أخرى عنه.وأن كل ما يمارس ضدنا هذه الأيام، ليست ردة فعل آنية، كما يحاول البعض إلباسنا هذه الفكرة، بل نتيجة ثقافة مرتكزة إلى قناعات عقدية لا يمكننا فك رموزها، إلا إذا أحست دوائر صنع القرار بأن مصالحها ستنتهي إلى طريق مسدود بالمطلق في منطقتنا، حينها قد تتغلب المصالح على الأيديولوجيا والثقافة في آن معاً. ـ كاتب فلسطيني