رغم التهديد الامريكي المتصاعد بتحويل العراق الى افغانستان اخرى، فان امام بغداد فرصة لعزل الولايات المتحدة دوليا واحباط مخططها العدواني سلفا اذا احسن استغلال آلته الدبلوماسية، الى الحد الاقصى وبأكبر قدر من المرونة. فباستثناء بريطانيا لم تعد هناك اي قوة دولية يحسب لها حساب الا وهي تعارض اي عمل عسكري امريكي ضد العراق. وحتى داخل بريطانيا نفسها تجمع نذر معركة حامية في البرلمان ضد توني بلير يتقدمها الغالبية البرلمانية العظمى لنواب حزب العمال الحاكم. لكن بقدر ما تحرص القوى الدولية المتضامنة مع العراق على ضمان مصالحها الحيوية في السوق العراقية المستقبلية، بقدر ما تحرص ايضا على الا تظهر بمظهر من يتحدى الشرعية الدولية بينما ثلاث منها، فرنسا وروسيا والصين، اعضاء دائمون في مجلس الامن الدولي. الصيغة المطلوبة اذن من وجهة نظر اصدقاء العراق لتخليصه، وبالتالي تخليص موارده الاقتصادية، نهائيا من فخ العقوبات الدولية، تقتضي عدم فصم رفع العقوبات عن القرار الدولي الذي ينص على اخلاء الاراضي العراقية تماما من اسلحة ومواد الدمار الشامل كشرط لالغاء نظام العقوبات نهائيا. هنا نأتي الى مفارقة ساخرة تتعلق بأمر عودة لجان التفتيش الدولية الى العراق لاستئناف عملها التفتيشي بشأن ما يمكن ان يكون قد تبقى للعراق من اسلحة نووية وكيماوية وجرثومية. فلا الولايات المتحدة المتربصة على الدوام بالعراق ولا الثالوث الدولي المتضامن معه يأخذون مسألة عودة التفتيش الدولي مأخذ الجد. كلا الطرفين يتخذ من التفتيش الدولي ذريعة.. لكن لغرضين متناقضين. فبينما تصر واشنطن على حمل العراق حملا على الموافقة على قبول عودة فرق التفتيش، فان الرئيس بوش وجنرالات البنتاجون يتمنون ان ترفض بغداد هذه العودة.. وبذلك تمسك واشنطن بهذه الذريعة لشن هجومها العسكري المبيت باسم اقرار الشرعية الدولية. اما الثالوث الدولي المتضامن فانه لا يرى في عودة فرق التفتيش الدولية سوى اجراء شكلي يبرر مطالبتها برفع العقوبات نهائيا عن العراق حتى تستطيع القوى الثلاث وغيرها من الدول ان تستأنف تعاقداتها الاقتصادية ومبادلاتها التجارية مع عراق غني يمارس الحرية على موارده. هكذا تتبلور طبيعة وشكل التحدي الذي يواجه الآلة الدبلوماسية العراقية. وهو تحد يتطلب مهارة ومرونة وبعد نظر. هل يجب اذن ان يتخلى العراق عن تصلبه فيقبل بعودة التفتيش الدولي؟ نعم. وهل سيعتبر تخليه عن تصلبه هذا انهزاما امام الولايات المتحدة واهدارا لكرامته الوطنية؟ لا. فقاموس العمل الدبلوماسي وفن ادارة العلاقات بين الدول لا يعرف مثل هذه العبارات شديدة الرنين فارغة المعنى. ثم ان العراق سيكون الطرف الرابح بمثل هذا التصرف، لانه سوف ينسف البرنامج الامريكي «لتوسيع مكافحة الارهاب» من قوائمه. وبمجرد ان تعلن بغداد قبولا مبدئيا بعودة المفتشين الدوليين فان المعركة الحربية التي تتمنى ادارة بوش اشعالها فوق اجواء العراق وعلى ارضه، سوف تتحول تلقائيا الى معركة دبلوماسية داخل مجلس الامن الدولي قد تؤدي الى عزل الولايات المتحدة. كيف؟ ان القوى الدولية الثلاث المتضامنة مع العراق، في اطار العضوية الدائمة لمجلس الامن ـ فرنسا وروسيا والصين ـ اذ لا تعارض عودة التفتيش الدولي الى العراق من حيث المبدأ فان لها موقفا من حيث التفاصيل. والتفاصيل في هذا الصدد اهم من المبدأ. فمن وجهة نظر هذه القوى الثلاث لا عودة الى الاحتكار الامريكي والبريطاني في تعيين اعضاء فرق التفتيش. بحيث يعملون لحساب واشنطن ولندن لا لحساب مجلس الامن. فالعضوية يجب ان يعاد النظر في تركيبها لتضم مفتشين فرنسيين وروس وصينيين بأكثر مما تضم امريكيين وبريطانيين. ثم ان عملية التفتيش نفسها يجب ان تكون خاضعة سلفا لجدول زمني ينتهي الى رفع العقوبات في امد محدد اذا اسفرت النتائج النهائية عن خلو العراق تماما من اسلحة ومواد الدمار الشامل. وهكذا فان المتاح للعراق اذا مارس اللعبة الدبلوماسية بمهارة ومرونة، على خلفية تفكك «التحالف الدولي ضد الارهاب» ان يستخدم ذرائع الولايات المتحدة ضدها.