لأن التغير هو سُنة الحياة.. فقد تغيرت مفاهيم النشاط التجاري في زماننا الراهن.. وكم من بلد نام ينعون عليه قلة صادراته.. وينسون أن البلد النامي نفسه يستقبل أفواجا من السواح والزائرين، الذين تجذبهم الميزات النسبية التي يتمتع بها هذا البلد أو ذاك.. وتكون على شكل مواقع أثرية أو مزارات دينية أو معالم جغرافية فريدة من بحر وبر وخلجان وجزر أو غابات «سفاري» أو شطآن.. الخ. وفي ضوء المفاهيم المتغيرة يقول الخبراء أن كل خدمة يقدمها البلد المعني ويدفع في مقابلها السائح الزائر الوافد من خلف الحدود تشكل في التحليل الأخير جزءاً من صادرات ذلك البلد. وفي ظل هذه المفاهيم المتغيرة أصبحت السياحة تستأثر بنصيب متزايد - بل سريع التزايد - من التجارة العالمية مع مطالع هذا القرن الحادي والعشرين. وفي عام 1999 شكلت السياحة نسبة 40 في المئة من صادرات الخدمات ثم نسبة 8 في المئة من مجموع الصادرات العالمية من السلع والخدمات وهي بذلك تتفوق على التجارة في سلع وبنود أخرى كانت في السابق تتسيد هذه المجالات وتكاد تهيمن على مقاليدها - سلع وبنود من قبيل المواد الغذائية والمنسوجات والكيماويات. السياحة والمرتبة الخامسة لا عجب إذن أن تفيد بيانات منظمة التجارة العالمية (دبليو. تي. أو) بأن السياحة أصبحت تحتل المرتبة الخامسة من صادرات القمة كما يسمونها بالنسبة الى 83 في المئة من أقطار عالمنا فيما تشكل مصدر الدخل الأساسي من عملات النقد الأجنبي الصعبة لنسبة لا تقل عن 38 في المئة من بلدان العالم وردت هذه الاحصاءات والبيانات في ندوة الخدمات السياحية التي عقدتها منظمة التجارة العالمية في جنيف يومي 22 و23 فبراير عام 2001 بيد أن السياحة نموها وحصائلها والامكانات التي تنطوي عليها ما زالت موضع أخذ ورد وجدال محتدم بين الدارسين والمحللين: بادئ ذي بدء ثمة اجماع على أن الخدمات السياحية وما توفره من ايرادات - ولاسيما من حصائل النقد الأجنبي - هي مصدر له قيمته الكبرى لاقتصادات البلدان المستفيدة - وينصرف هذا الاجماع الى ضرورة تشجيع السياحة وترشيد سبل الافادة منها، لا من حيث الايرادات المادية وحسب، ولكن أيضا من حيث العوائد غير المادية الناجمة عن السفر والسياحة وفي مقدمتها تعزيز سبل التواصل، ومن ثم امكانات التفاهم والتفاعل بين الأفراد والدول والشعوب. رأيان أساسيان لكن ما زالت السياحة مطروحة على طاولة الدرس والنقاش والتحليل بين فريقين نرى أن كلا منهما على حق فيما يقول: ـ فريق يحذر من اغراء الاعتماد الوحيد المقصور على السياحة كمصدر فريد للدخل القومي.. ذلك لأن السياحة في نهاية المطاف تدخل في نطاق الاقتصاد الريعي كما قد نسميه.. ذلك النمط من النشاط أو بالأدق «اللانشاط» الذي يقوم على أساس أنك تمتلك عقارا أو موقعا أو واحدا من المعالم المميزة في مضمار التاريخ أو الجغرافيا.. وقصارى الأمر أن تدعو الناس الى زيارته وتتقاضى مقابل ذلك ثمنا معلوما (هو العائد الريعي المتحصل من استئجار هذا المورد الذي لافضل للناس فيه) و.. كفى الله المؤمنين. هذا النمط من النشاط الريعي يحصر الناس في ربقة تقديم الخدمة.. في اطار أن يقتصروا على أن يضعوا أنفسهم في خدمة الآخرين، ونحسب أن هذا النمط في حال الاقتصار عليه لا يدفع عجلة التنمية ولا يعزز امكانات التقدم ولا تقوم على أساسه هياكل النهضة للأمم والشعوب. الصناعة أولا ونحسب أيضا أن الشعوب إنما تتقدم من خلال تطوير وتعزيز هياكلها في مجال التصنيع بالدرجة الأولى بديهي أن الدول المتقدمة في كوكبنا ما زالت حتى الآن تطلق على محافلها عبارة «اجتماعات الدول الصناعية الثماني» وهي بالدرجة الأولى الدول الواقعة على ضفتي الأطلسي - أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية التي سبقت - كما تعلم - الى الثورة الصناعية منذ نحو قرنين - ثم أضيفت اليها - كما لعلك تعلم أيضا - اليابان، وما كانت اليابان، لتلحق بهذا الركب المتقدم بفضل موارد سياحية تحفل بها بل هي في حالة عوز وافتقار موضوعي الى أي نوع من أنواع هذه الموارد ذات الصفة «الريعية»، ولكن فضل اليابان - كما نؤمن بيقين - إنما يتمثل في أنها دولة تحولت الى التصنيع. وعندنا أن الاحتفال بالصناعة والتحول الى التصنيع لا يقتصر وحسب على مجرد القدرة على انتاج السلع المتنوعة أو بالأدق القدرة على تحويل الخامات الأولية الى مواد وبنود وأصناف نافعة وقابلة للاستخدام في أغراض شتى من حياة الناس قد تبدأ عند جهاز البث الاذاعي وقد نتوسط الى حيث الموتور وماكينات الاستخدام اليومي ولكنها لا تنتهي لا عند الحواسيب الالكترونية ولا عند آلات التشخيص الطبي واستكشاف أجواز الفضاء. نحن نتصور أن القيمة المضافة من الصناعة لا تقتصر على مجرد المنتوجات السلعية ولكنها تتعدى ذلك الى آفاق أرحب وأعمق وأوسع طموحا: الصناعة - بعد إذنك - تعيد صياغة الانسان.. وما أحوجنا في وطن أمتنا العربية الى أن تعاد صياغة الانسان. والمعنى أن الصناعة تزود البشر بمنظومة متكاملة من القيم السوبر - ايجابية كما قد نصفها: قيم الانضباط واحترام عنصر الزمن واستثمار ساعاته بشكل رشيد.. وتكريس قيمة العمل الجماعي والنشاط الفريقي وقيمة الابداع المعرفي بالاختراع والابداع العملي بالتطوير والتجريب.. فضلا عن قيمة النهوض بالنوعية أو ما يسمى في أدبيات الصناعة باسم «مراقبة الجودة» كوالتي كونترول، وهي الترجمة المحدثة للمبدأ الذي يتشربه المسلم الحق من مبادئ عقيدته وحضارته وما احترنا أن نستعيده ونتمثله ونحتذيه وهو مبدأ: «إن الله سبحانه يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه». ثم هناك رأي الفريق الثاني الذي يرى في السياحة امكانات هائلة متاحة لمن يفيد منها.. ولا جناح عليه أن يجمع بينها وبين السبل والأساليب المستقاة من مبادئ الصناعة وعمليات التصنيع.. في هذا المضمار دخل الى القاموس العالمي الراهن المصطلح الشهير الذي يقول: «صناعة.. السياحة».بمعنى أن تتحول السياحة من مجرد دعوة الزائرين الى الفرجة - مجرد الفرجة على معالم البلد المستقبل - المضيف- الى أن تصبح فرعا جوهريا من فروع النشاط الاقتصادي تتم ممارسته بأساليب تجمع بين العلم والموضوعية وبين التخطيط والترشيد.من هذا المنظور - تقول الاستاذة ليزا ماستني في كتابها بعنوان «مسارات جديدة للسياحة الدولية» معهد وورلد ووتش، ديسمبر 2001. لكي نقيس الأثر الاقتصادي للسياحة، علينا أن ننظر اليها في ضوء آثارها الأوسع بما يشمل كل نواحي الحياة في البلد السياحي المضيف. وهذا يعني - على سبيل المثال - ألا تقتصر حساباتنا على مجرد الاتفاق السياحي المباشر ما يدفعه السواح من أموال مقابل ما يتلقونه من خدمات بل يعني أيضا الآثار غير المباشرة العائدة من هذا الانفاق ومنها توليد فرص الدخل للزراع أو خلق فرص العمالة في مجالات البناء والتشييد. ولقد نضيف الى ما ذكرته الخبيرة الأمريكية ما يمكن أن تعود به السياحة على الدخل القومي والدخول الفردية في مجالات أخرى من قبيل تنشيط قطاع النقل والاتصالات وقطاعات الصناعات المنزلية والحرف اليدوية وقطاعات المطبوعات والمعارض والفنون بكافة أنواعها. صناعة السياحة وتضم مدينة لندن مؤسسة تعنى بهذا القطاع وتحمل اسم مجلس السفر والسياحة العالمي الذي تفيد أحدث التقديرات التي توصل اليها بأن قطاع السفر والسياحة استطاع في عام 2000 أن يدر ما يصل الى 3.6 تريليونات دولار الى النشاط الاقتصادي في العالم أو ما يوازي نسبة 11 في المئة من الناتج الاجمالي العالمي وهي النسبة التي رشحت القطاع المذكور الى أن يكون أكبر صناعة على مستوى العالم من حيث القدرة والعائد الاقتصادي. وفي عام 2000 أيضا استطاع قطاع السفر والسياحة - كما تفيد أحدث التقديرات - أن ينشئ 200 مليون فرصة عمل أي فرصة واحدة من بين 12 فرصة عمل على مستوى العالم وبنسبة تبلغ 8 في المئة من العمالة الاجمالية، الدولية. وربما تكمن المشكلة الراهنة في ذلك التناقض الغريب الذي يشوب قطاع السياحة في الوقت الراهن. وفيما يتسع نطاق السياحة وتزداد عوائدها على نحو ما أسلفنا في السطور السابقة نجد أن هذا القطاع يشهد تزايدا في طابع التمركز أو التركيز بمعنى ازدياد الاتجاه نحو الاحتكار الذي يجعل مقاليده وامكاناته تكاد تنحصر بين يدي قلة من المؤسسات العملاقة في مجالات الطيران أو الفندقة.. ومن ثم استشرى هذا التيار عن التمركز الى حد الاحتكار الى حد انحصرت فيه الموارد الطائلة والحصائل المليارية المجزية بين قلة بعينها من دول العالم. أبعاد الصورة المفصلة على سبيل التفصيل يمكن أن نورد النقاط البارزة التالية: في عام 1998 اتجهت نسبة تقارب السبعين في المئة من مجموع ارباح الخطوط الجوية الأعضاء في رابطة النقل الجوي الدولي الى 10 فقط من كبرى شركات الطيران العالمية نحو 5 في المئة من مؤسسات الطيران استأثرت بنحو 70 في المئة من الأرباح العالمية!في عام 1999 انحصرت نسبة تبلغ نحو 15 في المئة من الأعمال الفندقية في العالم بين عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة - خمس فقط لا غير من سلاسل الفنادق العالمية وفي مقدمتها سلسلة فنادق ماريوت.في عام 2000 الماضي استأثرت خمس شركات سياحية أوروبية بالرحلات والجولات والزيارات التي قام بها 50 مليون سائح في سياق العام المذكور المرجع في هذا السياق من حيث البيانات والأرقام هو منظمة التجارة العالمية. وفي دراسة منشورة عن مستقبل السياحة الدولية في كتاب «حالة العالم سنة 2002» الصادر عن معهد وورلد ووتش الذي ألمحنا اليه آنفا، يتضح أن سبب هذه الظاهرة المركزية الشديدة التي تنحو بأطرافها صوب الاحتكار والاستئثار بكل ما ينجم عن ذلك من تهميش أطراف عالمية أخرى تطمح الى نصيب - حتى ولو كان متواضعا - من كعكة السياحة الكوكبية - هذا السبب يتمثل في أن مجال السياحة الدولية مازال مفتقرا الى التنظيم والتقنين.. هو أولا مجال مستجد أو شبه مستجد وخاصة بالنسبة لأقطار شتى من العالم الثالث الواقع معظمها في جنوب كوكب الأرض وهو ثانيا مجال ظل مستترا أو فلنقل ظل موضع استصغار وأحيانا استهانة وخاصة في تلك الأقطار الواقعة في الجنوب.. وهو ثالثا مجال لم تستعد تلك الأقطار بحكم تخلفها أو سيرها على طريق النمو لمواجهة اعبائه من حيث إنشاء وتشغيل وصيانة البنى الأساسية، المادية وغير المادية التي تكفل استقبال السواح وتقديم الخدمات الراقية والمتقنة اليهم بما يؤدي بداهة الى تعظيم الافادة من زياراتهم وفترات اقامتهم. أمريكا وفقر التاريخ ومرة أخرى فالسياحة ليست مجرد فرجة للسواح بقدر ما أنها صناعة متقنة وخدمة تقدم الى الزائر حسب أصول المهنة بحيث يشعر أولا أنه أخذ لقاء ما دفع وربما زيادة وبحيث يحثه ذلك على أن يعود مرة أخرى أو أن يتحول الى داعية في الوسط الذي يعيش فيه الى المكان الذي لقى فيه المتعة وحسن الوفادة ولو كان ذلك لقاء ثمن معلوم.إن بلدا مثل أمريكا لا يملك - كما تدري - تاريخا صالحا لأي فرجة ولا ميراثا عريقا أو تليدا يمكن أن يشغف به الزائرون. لكن ها هي القائمة التي أعدتها منظمة التجارة العالمية استنادا الى بيانات من وزارة التجارة الأمريكية واسمها - بالمناسبة قائمة العشرة الأوائل تحمل على رأسها اسم الولايات المتحدة، وتشهد من ثم بأن أمريكا - الفقيرة في التاريخ والمواقع الأثرية والماضي العريق - تتصدر تلك القائمة حيث يبلغ نصيبها من التريليونات العائدة من السياحة نسبة 18 في المئة من المجموع العالمي فيما تعود نسبة 82 المتبقية على التسعة الآخرين من شركائها في قائمة السوداء المذكورة أعلاه.وفي هذا الخصوص يمكن القول بأنه اذا كانت أمريكا فقيرة في التاريخ فهي غنية في الاحتراف - بمعنى احتراف تقديم الخدمة الى السائح الوافد عليها.. أو شطارة «بيع» الخدمة من حيث الضيافة المدفوعة والفرجة المدفوعة والنزهة المدفوعة.. الخ الى ملايين الزائرين بعد أمريكا تأتي أسبانيا وتليها فرنسا ثم ايطاليا. ومن عجب أن بلدا مثل اليونان وهو الأغنى بالآثار الهيلينية وهو الأمجد والأعرق من حيث التاريخ الطويل الحافل، وهو الأكثر جاذبية من حيث الشغف الوجداني والارتباط الثقافي لدى ملايين الأوروبيين وعند الصفوة من الأمريكيين - هذا البلد بكل امكاناته تلك.. لا يأتي إلا في ذيل القائمة - فقد لحق بالكاد والمعاناة بأقرانه الأوائل حيث لا يناله من خيرات السياحة الدولية سوى نسبة 1.9 في المئة لا أكثر وهي نسبة يتيمة.. مهيضة في كل حال.. والحاصل أنه فيما عدا أمريكا وكندا نجد أن القائمة تستأثر بها أقطار أوروبا الغربية بالذات، ولكن مع استثناء وحيد له دلالته الأفصح مما يكون: هذا الاستثناء هو: الصين لم يفت في عضد الصين موقعها النائي في أقصى الشرق الآسيوي، ولا رقعتها المزدحمة بمئات الملايين من السكان، ولا حتى نظامها الذي كان الى عهد قريب يتبع أيديولوجية اجتماعية وسياسية كانت تصنف في خانة التطرف المذهبي.. ناهيك عن تعّرض الصين عبر عقود عديدة من النصف الأخير من القرن الماضي لمجابهة مع أمريكا بكل نفوذها في ظل ما كان يسمى بسياسة «الاحتواء» كل هذا لم يحل بين زعامات الصين المحدثة في أن توازن بين التمسك بثوابت الايديولوجية وبين تكييف تلك الأسس والركائز حسب المصلحة القومية، من ناحية وبما يساير التطورات المستجدة على عالم ختام القرن العشرين ومستهل القرن الجديد من ناحية أخرى. بل ربما افاد قطاع السياحة في الصين من منظومة الالتزام الحزبي والعقائدي في ضبط ايقاع الخدمات التي يقدمها القطاع المذكور الى جماهير الزائرين وقد يتجسد هذا الانضباط في دقة المواعيد وضبط التوقيت واتقان الخدمة وحسن الصيانة وأهمية المتابعة.. وكله يتعلق كما تعرف بتربية الانسان وسلوك الانسان قبل أن يتعلق بجاذبية الجغرافيا أو عراقة التاريخ. ماذا عن البلدان النامية؟ إن هذا الحديث عن الصين، وقد ظلت تحسب نفسها - ربما من باب التواضع أو الموضوعية، ضمن البلدان السائرة على طريق النمو- يتطرق بنا الى مجال السياحة في بلدان نامية أخرى باتت المراجع الدولية التي تحمل اليها تركز الأضواء عليها وترى أن لها مستقبلا واعدا في مضمار السياحة الدولية وتطلق عليها الأدبيات السياحية المعاصرة عبارة تقول: المقاصد السريعة النمو. من هذه الأقطار ـ كما يقول كتاب «حالة العالم سنة 2000» صفحة 105 وما بعدها نقرأ أسماء كمبوديا وتايلاند وتركيا وفيتنام ومصر العربية - هذه الأقطار النامية، ومعها أقطار من أقل بلدان العالم نموا موضع الجزء الثالث - الأخير من هذا الحديث إن شاء الله. ـ كاتب سياسي من مصر