عندما تكلم الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي بتلك النبرة الواثقة وذلك الصوت الهادئ عن الحل العادل والممكن، جاء جواب العالم العربي مسانداً وجاء جواب الاتحاد الاوروبي مؤملاً، وجاء مع الاسف جواب شارون مراوغاً ومصعّداً للحرب الابادية كأنه يقول للعالم: نعم للتطبيع ولا للانسحاب! وفهم الرأي العام الدولي ـ والامريكي المعني بأمر اسرائيل ـ بأن سياسة شارون هي التي تقف حجر عثرة امام سلام وفاق، اي سلام لا يعطي كل حقوق الشعب الفلسطيني ولكنه يمهد السبيل الى حلحلة كل الملفات المعقدة المؤجلة ولو بالتدريج. ولعل هذا الكسب الدبلوماسي والاتصالي العالمي هو الكسب الاول المتوقع من مبادرة الامير عبدالله. فواضح اليوم ان الذي يرفض السلام ليس العرب بل اسرائيل، وان الذي يساوم ليس شعب فلسطين بل حكومة شارون. وقد بادرت الآلة الاعلامية الصهيونية الى تسويق المراوغة في شكل قبول وترحيب، لكن العالم فهم ما معنى مطالبة اسرائيل بالشروع في مفاوضات مع المملكة العربية السعودية «لمعرفة التفاصيل..»، والرغبة في اقامة علاقات ثنائية مع المملكة بمعزل عن قرار عربي مشترك ودون التخلي عن الاحتلال والعدوان. مأزق حقيقي هذه المبادرة تضع اليوم ادارة الرئيس دابليو بوش في مأزق حقيقي يصعب الخروج منه بمجرد استعمال حق النقض في مجلس الامن لو قدر لهذا المجلس ان يدين الاحتلال الاسرائيلي، او بمجرد تكرار اسطوانة تفهم حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها، كأنما اسرائيل تستهدف الى غزو مسلح بالطائرات ف 16 والاباتشي من قبل جيش فلسطيني عتيد وليس العكس؟! فالمأزق الامريكي مأزق حقيقي، ولا ادل على ذلك من تعاقب وجهات نظر الامريكيين الواعين انفسهم والتي تحولت من مواقف الهروب والتبرير الى مواقف التساؤل عن دور واشنطن في ادارة صراع مرير ويائس وفي الاخير مهدد للسلام الدولي، بدون رؤية.. ولو بصيص امل سياسي في السلوك الاسرائيلي العسكري المتواصل ازاء صمود شعب اعزل. والامثلة الاعلامية عديدة بداية من مقالات «تايم» و«واشنطن بوست» ومواقف امريكيين شرفاء امثال ناعوم شومسكي وليندن لاروش ووزير العدل الاسبق رامزي كلارك وجيمس وستون ومؤلف كتاب «مقاتلون في سبيل الله» وغير هؤلاء. كل هذه الرياح السياسية هبت في امريكا ذاتها، بعد ان شهد الموقف الاوروبي تغيراً نوعياً متميزاً جاء على لسان مسئول الشئون الخارجية خافير سولانا وعلى لسان مفوض السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كريس باتن في مقال شهير صدر بالعديد الصحف الأوروبية والأمريكية بعنوان: «الولايات المتحدة بحاجة الى مشروعية اخلاقية».. وكذلك على لسان ماري روبنسون المسئولة عن ملفات حقوق الانسان بالاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء ايرلندا سابقا.. كل هذه الاصوات المنصفة ساندت اصواتا رسمية جريئة ارتفعت في أروقة الحكومات الاوروبية، مثل صوت وزير خارجية فرنسا هوبير فيدرين ووزيرخارجية ألمانيا يوشكا فيشر، وهو في الحقيقة ما جعل المراقبين النزهاء يقولون ان مبادرة الأمير عبدالله تحولت في ظرف اسبوعين الى مبادرة عربية اوروبية مشتركة، وهذا ما أكده ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبق في افتتاحية اذاعة «ميدي واحد» الفرنسية ليوم السبت 2 مارس الجاري بعنوان «الشرق الأوسط وساعته التي دقت». دوامة التخبط المملكة العربية السعودية ليست أية دولة، بل هي تحتل منزلة القلب والضمير في العالم العربي والأمة الاسلامية، ولها مواقف تميزت بالثبات على المبادئ والحرص على نيل الحق، ولذلك أدخلت مبادرة الامير عبدالله كل سياسة اسرائيل المراوغة والعسكرية في دوامة التخبط والتناقضات. واستطاعت تلك المبادرة الجريئة ان تجمع كلمة العرب والمسلمين والأوروبيين، مما سيسمح لنا بتبيّن نوايا الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ المظلمة الكبرى: مظلمة فلسطين، حيث لم يعد هناك مناص للإدارة الأمريكية من اعادة الرشد والوعي لحليفها الاسرائيلي المتغطرس. وقد كان ميشال جوبير صادقاً حين أكد في مقاله سالف الذكر ان المبادرة فاجأت شارون لأنها ـ حسب قوله ـ وضعت مصيره السياسي بل مصير اسرائيل في الميزان، وامام حقيقة ناصعة جليّة لا تحتمل التأويل ولا التفسير ولا التأجيل. وبدأنا نطالع صحف اسرائيل ذاتها ـ على سبيل المثال افتتاحية «يديعوت أحرونوت ليوم السبت 2 مارس ـ وبدأنا نسمع أصوات العديد من زعماء اليسار الاسرائيلي وحتى من خلال نتائج عمليات استطلاع الرأي في مجتمع اسرائيل بأن ساعة الحقيقة دقت، وان لا أمن ولا سلام للمجتمع اليهودي إلا بأمن وسلام المجتمع الفلسطيني، ولا مصير للمنطقة إلا في كنف حق تقرير المصير والانسحاب من الأراضي المحتلة وتأسيس دولة فلسطين حرة مستقلة سيدة قرارها على أراضيها المحررة. وهل ينفي كل هذا المسار الشامل حق المقاومة؟ بالطبع لا، إلى حين عودة الجيش الاسرائيلي الى حدود الرابع من يونيو 1967، خاصة بعد أن اكتشف شارون تلك الحقيقة البديهية التي يعرفها الاستعمار الفرنسي من تجربة الجزائر ويعرفها الاستعمار الامريكي من تجربة فيتنام وتعرفها اسرائيل نفسها من تجربة جنوب لبنان.. تلك الحقيقة الراسخة التي لا تتغير مع الزمن، وهي ان كل قهر وكل احتلال وكل قمع مصيره المحتوم الهزيمة، وان الشعب إذا أراد الحياة فإن الله سبحانه وتعالى يمنحه النصر المؤزر. وتلك سنة خالدة من سنن الله تبارك وتعالى وعد بها سبحانه عباده الصامدين والمؤمنين. ـ أستاذ في قسم الإعلام ـ جامعة قطر