التمرد الاوروبي على الولايات المتحدة يزداد حدة بتوجه قد يؤدي الى انقسام المعسكر الغربي الى قطبين متواجهين. فهل تستثمر امة العرب هذا المتغير التاريخي الكبير من منظور استقلالي؟ انه للمرة الثانية دور يبحث عن صاحب. وجمال عبدالناصر كان الصاحب المناسب عندما اوقف مجرى التاريخ للامساك بالدور عندما فرض نفسه للمرة الاولى. فقد كان رأسمال عبدالناصر في تحركه الاستراتيجي الممتاز على الساحة الدولية استغلال المنافسة بين قطبي الحرب الباردة من منتصف الخمسينيات الى اوائل السبعينيات. ومع نهاية حقبة الحرب الباردة عند نهاية عقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات بانهيار احد القطبين المتنافسين ـ القطب الاشتراكي المتمثل في الاتحاد السوفييتي ومعسكره ـ برز عالم الاحادية القطبية كنظام جديد بزعامة الولايات المتحدة. ولكن يبدو الآن ان النظام العالمي الجديد، ليس كتلة رأسمالية متماسكة كما كان الظن حتى قبل بضع سنين. فالتناقضات الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي تعبر الان عن نفسها على هيئة تمرد اوروبي يشي بانشطار الكتلة الى قطبين متواجهين على ساحلي المحيط الاطلسي. فهل ينهض من بيننا «عبدالناصر الثاني» ليلتقط الخيط من حيث تركه عبدالناصر الاول؟ ان على العرب ان يتأملوا اولاً صورة الشقاق المتنامي بين قادة الاتحاد الاوروبي والقادة الامريكيين، ليروا مؤشرات تنبئ عن احتمال تبلور قطيعة كاملة وحادة بين الطرفين كما تتجسد في التصريحات الاحتجاجية الاوروبية التي يتسارع تواترها. لقد بلغ تبرم فرنسا بالسياسات الامريكية ان وزير الخارجية الفرنسية هوبير فدرين طالب واشنطن بأن تستخدم نفوذها «بمسئولية اكبر». ولكي نفهم مغزى هذا النقد علينا ان نربط بينه وبين ما ورد بعده مباشرة. فقد اضاف فيدرين قائلاً «ان مكافحة الارهاب لا يمكن ان تشكل سياسة لحل كل مشاكل العالم». والاشارة هنا بالطبع الى التوسع الامريكي في «حرب الارهاب» التي يبدو انها سوف تظل وسيلة التعامل الامريكي الوحيدة مع العالم لأجل غير مسمى. وعلى رأس اجندة هذا التوسيع استهداف العراق. وفي هذا السياق وجه وزير خارجية المانيا يوشكا فيشر نقداً صريحاً وحاداً ومراً الى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لتأييده التوجه الامريكي نحو تسديد ضربات عسكرية ضد العراق. فقد وصف فيشر الموقف البريطاني بأنه خروج على الصف الاوروبي. وكان يشير الى اجتماع قمة اوروبية عقد في لندن في نوفمبر الماضي ضم قادة المانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا بالاضافة الى بريطانيا. في تلك القمة تم الاتفاق على الامساك عن اي عمل عسكري ضد العراق والاستعاضة عنه بضغوط دبلوماسية على بغداد لتقبل بعودة مفتشي الاسلحة الدوليين. وانتهز الوزير الالماني هذه الفرصة ليطلب الى الاوروبيين توحيد صفوفهم حيال الولايات المتحدة، قائلاً ان اوروبا لن تستطيع ان تنافس امريكا في القوة والنفوذ الا اذا احتفظت برؤية موحدة على صعيدي السياسة الخارجية والسياسة الأمنية. وعلى نحو ما فإن هذه الصرخة ترددت اصداؤها في باريس وتجاوبت معها فرنسا حيث قال فيدرين: «ان نكون حلفاء لا يعني ان نكون تابعين». ثم تساءل عن كيفية تعامل اوروبا مع ادارة امريكية تعارض معاهدات دولية «وتستخدم بإفراط حق الفيتو في مجلس الامن الدولي ما ان يتعلق الامر بالشرق الاوسط». واذا كانت فرنسا تنتقد تلميحاً دون التصريح التحيز الامريكي الفاضح لاسرائيل ومسلكها العدواني فلأن الحكمة تقتضي الا تكون كاثوليكية اكثر من البابا.. اي اكثر عروبة من العرب. ما يمكن ان يستخلص اذن هو ان من المتاح للعرب الان الدخول في تحالف استراتيجي مع اوروبا. فالاتحاد الاوروبي جاهز شعورياً وواقعياً لأن يكون نواة لجبهة دولية في مواجهة الولايات المتحدة.. وبالتالي اسرائيل. لكن يبقى شرطان لكي يحقق العرب قفزة تاريخية عملاقة كهذه: ان يتحرروا اولاً من الارادة الامريكية، وان تكون الامة ثانياً قادرة على انجاب «ناصر» جديد. احمد عمرابي