شهدت العشر الأواخر من فبراير الماضي فرض اجراءات عقابية غربية ضد نظام روبرت موجابي في زيمبابوي. بدأت هذه العقوبات بقرار صدر في 18 فبراير الماضي، عن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قضى بمنع دخول موجابي و19 من أركان حكومته وحزبه زانو وأفراد عائلاتهم الأراضي الأوروبية، وتجميد أصولهم المالية الخارجية، وسحب البعثة الأوروبية لمراقبة الانتخابات المزمعة في هراري يومي 9 و10 مارس الجاري. وبعد أقل من اسبوع كانت الولايات المتحدة قد حذت حذو الشركاء الأوروبيين حرفيا. بإمكان المنشغلين بمسار العلاقات الأوروبية الأمريكية عموما، الالتفات الى ما يعنيه هذا التوافق ازاء قضية خارجية تجري في الرحاب الافريقية، وسيكون من المعقول تماما، أن يصل هؤلاء الى استنتاج مفاده استمرار التناغم داخل دائرة عالم الغرب، على جانبي الأطلسي، فيما يتعلق بادارة التطورات والتصورات النظامية في هذه الرحاب، ذلك أن الأسباب التي طرحها الأوروبيون والأمريكيون لتبرير معاقبتهم لموجابي ورفاقه واحدة.. وهي افتقار الانتخابات للشفافية، وحجب حرية الصحافة، والتعدي على مرشحي المعارضة من حزب التغيير الديمقراطي، والانحياز الى حركة الفلاحين السود للاستيلاء على «أملاك المزارعين البيض» وعرقلة مهمة البعثات الدولية، الأوروبية بخاصة، لمراقبة سير العملية الانتخابية ومستوى مراعاة حقوق الانسان في زيمبابوي بصفة عامة.. هناك إذا وحدة في المنظور الغربي لفلسفة التعامل مع التفاعلات السياسية الداخلية لدى عوالم الآخرين.. وحدة لم تتأثر بعمليات التراشق الكلامي التي شابت الصلة بين بعض العواصم الأوروبية وبين واشنطن بعد التصرفات والتصنيفات التي أطلقتها الأخيرة في الأجواء الدولية، تحت تأثير أحداث 11 سبتمبر الشهيرة. نود القول بأن الموقف التضامني الأوروبي الأمريكي إزاء نظام موجابي، هو أحد المؤشرات التي يعتد بها عند محاولة استشراف آفاق الشقاق داخل البيت الغربي. بما يعني بايجاز أنه لا ينبغي للظنون أن تذهب بعيدا بشأن حدود هذا الشقاق. إذ لن تتصدع جدران هذا البيت لمجرد بروز تعارض بين الرؤى الأوروبية والأمريكية حول كيفية التعاطي مع بعض القضايا الدولية. الانتباه الى هذه الدلالة أمر مهم. وهذا يعني عالمنا العربي ولاسيما أولئك المتربصين فيه بمصير التباينات التي تتجلى أحيانا بين الطروحات الأوروبية والأمريكية حول اسلوب معالجة بعض مفردات الصراع الاسرائيلي العربي، لكن ما هو أكثر الحاحا ضمن دلالات المقاربة الغربية لنظام زيمبابوي بالنسبة للعرب، ذلك الجانب الذي يوضح ازدواجية المعايير «الأوروبية» في هذه المقاربة مقارنة بالتعامل مع النظام الاسرائيلي. فلفترة ممتدة، أظهر الأوروبيون قدرا من الاعتدال في تناولهم للحقوق الفلسطينية. وكان عطفهم الملحوظ على كثير من هذه الحقوق وإدانتهم للسلوك العدواني الاسرائيلي، كافيا بنظر الكثيرين لابعاد شبهة الانحياز الأعمى لاسرائيل عنهم. تلك الشبهة التي ظلت بواعثها قائمة دوما بالنسبة للسياسة الأمريكية. في هذا الاطار، كان من السهل القاء التهمة الخاصة بازدواجية المعايير في وجه واشنطن، بقدر ما كان من الصعب فعل الشئ ذاته مع الأوروبيين. بيد أن آخرين لم ينبهروا بالمواقف الأوروبية الى حد تبرئتها بالكامل من التواطؤ مع المفهومين الاسرائيلي والأمريكي للتسوية الفلسطينية. وقد زعم هؤلاء أن الأوروبيين يقومون بتغطية السلوك الأمريكي المنحاز لاسرائيل، وملء الفراغات التي يخلفها هذا السلوك عند اللزوم. وقدروا أن القناعة العربية غير الصحيحة بوجود مساحة للتباين بين الأوروبيين والأمريكيين بخصوص الحقوق العربية والفلسطينية، هي التي تسهم في تشجيع لعبة توزيع الأدوار بين هذين الجانبين، وفي نجاح هذه اللعبة. ومضوا الى أن المحك الحقيقي لصدقية الطرف الأوروبي، هو في مبادرته الى ممارسة ضغوط ملموسة ضد العدوانية الاسرائيلي. قد لا يستطيع المرء مسايرة هذه الرؤية بحذافيرها، فللقوى الأوروبية على المستويين القومي والاتحادي منظوراتها المغايرة نسبيا بالفعل للسياسة الأمريكية العربية والفلسطينية. غير أن معطيات الواقع تدفع الى ضرورة الاعتراف بما تنطوي عليه رؤية سلبية كهذه من حجية وموضوعية. فالأوروبيون أعادوا مطولا انتاج خطابهم بشأن أسس التسوية الموصوفة بالمنطقية وإنصاف الحقوق العربية والفلسطينية. ونظرا لتمترسهم خلف حاجز القول غير المشفوع بالفعل والنفاذ، فقد بدت سياستهم الشرق أوسطية مراوغة «ومثيرة» للضجر. بل وكانت هذه السياسة باعثة للشكوك عند البعض من الذين يدركون حجم أوراق الضغط التي تملكها دول الاتحاد الأوروبي، إذا ما رغبت في لي ذراع اسرائيل، أو أقله شد أذنها، على الصعيد الاقتصادي.. هذا دون التطرق الى القطاعات والصعد الأخرى، السياسية منها والاعلامية والحقوقية والفكرية الثقافية.. التي يمثل التلويح باستخدامها أوروبيا رادعا قويا للبغي الاسرائيلي. لقد صمت الأوروبيون دهرا، قبل أن يمسوا مصالح اسرائيل بقفاز حريري، حين أعلنوا رفض استقبال المنتجات الاسرائيلية المصنعة في المستوطنات اليهودية بالأرض المحتلة عام 1967. حدث هذا الاجراء «المدهش» عام 1988، ومصدر الدهشة الى حد السخرية هنا، أن التأكد من مكان الانتاج والتصدير للمنتجات المذكورة يبدو أمرا في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا! ثم إن الأوروبيين صمتوا دهرا آخر، قبل أن ينذروا اسرائيل ونظامها الارهابي بقيادة مجرم الحرب شارون، بضرورة عدم التعدي على منشآت البنى التحتية الفلسطينية التي أسهموا في تمويلها! أين هذه الاجراءات الأقرب للمداعبات مع النظام الاسرائيلي من الغضبة الأوروبية العاجلة والعارمة ضد نظام موجابي في افريقيا؟. علينا أن نطرح هذا السؤال القياسي أمام أنفسنا وأمام الأوروبيين، آخذين بعين الاعتبار الشديد، تلك الفوارق الفادحة بين الحالتين. حالة نظام افريقي يحاول الأوروبيون التدخل في مسار سياسته الداخلية، ونظام اسرائيلي عنصري يحتل بغير حق شعبا آخر بكل مقدراته برا وبحرا وفضاء. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة