أخطر قضايا العام، هي القضية التي كشفت عنها المصادر الفرنسية عن ضبط شبكة جاسوسية في الولايات المتحدة كل أفرادها من الاسرائيليين، وأكدت هذه المصادر أن السلطات الأمريكية اعتقلت وطردت أكثر من 120 اسرائيليا ثبت أنهم على صلة بالشبكة. وأن الشبكة الاسرائيلية كانت تخطط لاختراق أنظمة وزارتي الدفاع والعدل، وكانت الشبكة تركز على الادارة المكلفة بمكافحة المخدرات. هذه المعلومات التي كشفتها المصادر الفرنسية، وبالرغم من كشف السلطات الفرنسية عن هذه الشبكة وإذاعة هذه التفاصيل عن حقيقة أهدافها، إلا أن السلطات الأمريكية لا حس ولا خبر، وتصرفت طبقا للحكمة الهندية.. لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم. ولا أحد يعرف سر هذا الموقف الأمريكي الغريب والمريب.. والناس في العالم كله يضربون كفا بكف ويتساءلون في دهشة، هل الادارة الأمريكية تحمي أمن اسرائيل وتحمي عدوانها واحتلالها وتحمي أيضا شبكات جواسيسها. وقد يكون معقولا أن تقوم أمريكا بحماية جواسيس اسرائيل في المنطقة العربية أو في القارة الأفريقية، ولكن أن تمتد الحماية الأمريكية الى جواسيس اسرائيل العاملين في الأرض الأمريكية! إنها مسألة مريبة وتطرح مزيدا من الأسئلة حول حقيقية العلاقة بين دولة اسرائيل وأمريكا. وبالطبع لا يمكن لأحد أن يتوقع كلمة نقد أو عتاب ولا أقول كلمة استهجان لأي تصرف تقوم به اسرائيل ضد الفلسطينيين أو ضد أي شعب من الشعوب العربية. ولولا الأجهزة الفرنسية التي أقدمت على كشف هذا السر الذي حرصت أمريكا على اخفائه. وأثبتت فرنسا بهذا التصرف أنها دولة كبرى فعلا لها رؤيتها الخاصة ولها موقفها المستقل. وأثبت الرئيس شيراك أنه زعيم عالمي يعرف تماما دور فرنسا كدولة عظمى لها رسالة ليس على مستوى أوروبا فقط، ولكن على مستوى العالم. وبعد تكتم أمريكا على شبكة التجسس الاسرائيلية، لن يدهشنا صمت الادارة الأمريكية حتى لو قام شارون بهدم منازل غزة كلها ومعها منازل مدن الضفة الغربية على رؤوس ساكنيها. وليس أمام الدول الصغيرة إلا انتظار معجزة من السماء لاعادة الهدوء والسكينة الى مختلف بقاع العالم. نجوم الادارة المحلية الادارة المحلية استطاعت رغم كل شئ إنجاب عدد من المحافظين استطاعوا أن يحفروا أسماءهم في تاريخ مصر. محافظون من طراز وجيه أباظة في دمنهور وشعراوي جمعة في السويس وعبدالمنعم عمارة في الاسماعيلية وعبدالسلام المحجوب في الاسكندرية وعادل لبيب في قنا. وخلال أسابيع كثيرة لم ألتق بصديق زار قنا أخيرا إلا وأشاد بالتغيير الكبير الذي حدث في المحافظة النائية، والتأكيد على دور محافظها عادل لبيب في هذا التغيير المذهل. ولذلك كانت فرحتي شديدة عندما تلقيت دعوة من المحافظ لزيارة قنا، وتحددت الزيارة في شهر مارس الحالي، وكنت أهيئ نفسي لرؤية كل التطورات التي حدثت بالمحافظة البعيدة في أقصى الصعيد الجواني. ولكن جاءت مأساة قطار الصعيد واحتراق ركابه الأبرياء واستقالة وزير النقل والغاء العيد القومي لمحافظة قنا. جاءت هذه التطورات المؤسفة لتجبرني على رد تذاكر السفر وتأجيل الزيارة الى العام المقبل إن شاء الله.. وللحق أقول أن العبد لله كان له غرض خاص من وراء هذه الزيارة. ففي عام 1959 قضيت ليلة شتاء بارد على دكة خشنة بمحطة أبوطشت في ناحية من نواحي محافظة قنا. كنت ضمن قافلة بائسة تم ترحيلنا من محطة بني سويف الى محطة أبوطشت في عربات قطار سكة حديد مخصصة لنقل البهائم، ووصلنا بعد رحلة سفر طويلة منهكة الى محطة أبوطشت. وقضينا الليلة كلها على رصيف المحطة انتظارا لقطار يشبه قطارات والت ديزني لينقلنا الى سجن الواحات الخارجة في الوادي الجديد. ولم يأت القطار إلا في الصباح الباكر. وعبثا حاولت خلال الليل أن أتبين معالم أبوطشت دون جدوى، فلم تقع عيني إلا على المحطة العارية وبعض موظفي السكة الحديد وبعض عساكر البوليس. ومنذ عام 1959 وأن أحلم بزيارة الصعيد الجواني وأحظى برؤية أبوطشت ومحطة السكة الحديد بها وقضيت على رصيفها ليلة باردة من شتاء عام 1959، وحفزني على الذهاب الى هناك الروايات التي حكاها لي الصحفي الشاب سامي كمال المحرر في مجلة نصف الدنيا، والتغيرات التي حدثت في المحافظة كلها بسبب نشاط محافظها عادل لبيب ورغبته في خلق قنا جديدة، قنا التي وصفها شاعرنا الكبير حافظ ابراهيم اذا لم تخني الذاكرة قائلا: قنا عذاب النار! ولكن الحادث المأساوي لقطار الصعيد قتل أمنيتي في السفر الى قنا وزيارة مركز أبوطشت والقاء نظرة على المحطة التي قضيت ليلة بأكملها على رصيفها ذات ليلة شتاء قاسية من عام 1959، ولكن رغبتي في الزيارة لن تفتر، وحلمي برؤية محطة أبوطشت لن يفارقني حتى يحين الوقت في الشتاء المقبل. ومحاولاتي المستمرة لاكتشاف نجوم جدد في الادارة المحلية، محافظون من طراز وجيه أباظة في دمنهور وشعراوي جمعة في السويس وعبدالمنعم عمارة في الاسماعيلية وعادل لبيب في قنا، ولا تزال في القائمة أماكن كثيرة لمحافظين من الطراز نفسه.