هناك اشكالية واضحة في النظام التربوي الذي يطالب اليوم بإجراء عمليات تحديث جذرية في بنيته، وهي تتعلق بالبناء أو الأساس، الذي اعتمد عليه، وهو عدم احترام العقل الحر او الجوال والمتحرك، لأن النظام التربوي يشجع على التسليم للنظريات العلمية بدل اجراء الحوار حولها من اجل بناء القناعات بدل الرضوخ لها وهذا لا يخص التعليم الأساسي فقط، بل حتى الوصول الى مرحلة الدراسات العليا من الجامعة وحتى آخر السلم التعليمي مع قناعتنا بأن السلم التعليمي لا ينتهي الا بانتهاء الانسان. فلنحدثكم عن شاب عربي ألمعي استطاع في احدى الجامعات البريطانية ان ينتهي عملياً من مرحلة الدكتوراه في الشهور الستة الأولى من دراسته الاكاديمية التي من المفترض ان يستمر بها لمدة ست سنوات معروفة، قابلة في النظام الغربي للنقصان او الزيادة حسب امكانيات الطالب العلمية، وأعني بذلك جهوده الذاتية بالجد والمثابرة في اختصار الزمن قدر الامكان والنظام الغربي هنا يتميز بالمرونة الكافية لاعطاء الطالب حقه في هذا الجانب. نعود الى ذلك الطالب الجاد، الذي وجد الاشكالية ليست في الانتهاء من الدراسة بهذه السرعة الفائقة وانما أتت الاشكالية في كيفية اقناع الجهة التي ابتعثته ونظام البعثات الذي فوجئ بأنه لا يبلع هذه الحالة الطارئة وان على الطالب البقاء في الخارج حتى اتمام سنوات الابتعاث وان لم يفعل شيئاً غير تقشير البصل. اما الجامعة التي يدرس فيها والمشرف الذي كان يحثه على الانتهاء من دراسته نظراً لامكانياته الخارقة، فقد عمل جاهداً على الاستفادة منه كمشرف مساعد لبقية طلبة الدراسات العليا في قسم العلوم. وهكذا مضت عليه الأيام والسنوات حتى وصل الى اليوم الأخير من تاريخ ابتعاثه وناقش وتخطى الامتحان كالبرق الخاطف قبل تخرجه بسنوات. اما الموضوع الذي حاز فيه الدرجة العلمية فكان حول النظريات الكيميائية السائدة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وكان المشرف على دراسته من أشد المعجبين والمدافعين عنها ومن أساطينها، ومع ذلك قبل من طالبه ان يقلب عليه طاولة النظريات القديمة دون أن يؤثر ذلك في رحلته العلمية العريقة، وقد بلغ بمشرفه الشيب في البحث والتدقيق ولكن كل ذلك لم يمنعه من الاعتراف بصحة النظريات الجديدة التي توصل اليها الطالب العربي الذي أخر النظام التربوي العربي تخرجه أكثر من خمس سنوات لأن النظام هكذا وبس.