منذ متى نتحدث عن تغيير اسلوب التعليم من الحفظ والتلقين الى الفهم والدراية ولا نعني بذلك الغاء الحفظ، لأن هناك من المواد العلمية ما لا يتم فهمه إلا بالحفظ. انتقال التعليم من مرحلة التلقين والحفظ الى المرحلة المتقدمة بالتركيز على الفهم اخذ من عمر الحديث عنه ومن عمرنا اكثر من العقدين ومازال الامر في عداد مكانك سر، وان كانت التكنولوجيا بدأت تطل برأسها حديثاً لهدف انجاز جزء ما لصالح الاسلوب الحديث أو المعاصر في التعلم الذي يعتمد اولاً على المعلم المباشر ومن ثم الطالب بمعونة الحاسوب، هذا الثلاثي يجب ان تتغير نسب التأثير فيما بينها. الغرب المتقدم يعطي لاعتماد الطالب على نفسه في التعلم نسباً تقارب في بعض المجتمعات 90% وعشرة في المئة للمعلم، والسويد نموذج لهذا النوع من النظام في التعليم، وتحول مسمى المعلم لديهم الى المرشد وفقدوا بذلك الكثير من الدور التربوي للمدرس وذلك باعترافهم. اما النظام التربوي الياباني فانه يركز على الدروس الاخلاقية الداعمة للمنهج التعليمي العام وذلك لإعادة التوازن الى الاخلال الذي بدأ يلاحق التعليم الحر وفق المفهوم الغربي وفي مجتمع شرقي له من القيم التي لها القدرة على الحفاظ على البقية الباقية من السلوك الواجب بقاؤه في النظام التربوي العام. اما بالنسبة للنظام التربوي الامريكي فهو ماض ليجعل للحاسب الآلي دوراً أكبر من المعلم أو أن المعلم عليه واجب استخدام هذه الآلة وتطويعها لخدمة المنهج التربوي. هذه امثلة من نماذج مطروحة وغيرها على الساحة العالمية كلها نجحت في التخلص تدريجياً من الاعتماد على التلقين الحرفي في التعليم بنسب متفاوتة وكلها تجارب انسانية يمكن الاقتباس منها بما يناسب اوضاعنا ووفقاً لقيمنا التربوية العريقة التي لا ينبغي ان تزيلها الآلة وهو الخطر المحدق بأصالة النظام التربوي ذاته. اننا لم نجرؤ الى الان على خوض تجربة تربوية في هذا الصدد وبشكل متكامل، فكان الحال ان نرقع ثوبنا التربوي بقطعة من الشرق واخرى من الغرب وثالثة من عند انفسنا باجتهادات غير مبنية على الدراسات والتجارب الميدانية، فلا نأخذ من الغرب ولا الشرق المتطور نفعا يذكر الا في اعادة الوفود التربوية من الخبراء الى ديارها بعد ان اخذت غنيمتها من المال الوفير، دون ان نصلح من النظام التربوي التقليدي شيئاً يذكر الا عبارات طنانة نسمعها بين فترة واخرى لمجرد التسويق الاعلامي، اما الزبدة من ذلك فلا نرى لها أثراً وأما الزيت فنشاهده طافحاً يبحث عمن يزيل ضرره عن شواطئنا التربوية باحثة عن المنقذ.