باتت كل الشواهد تجزم بضربة عسكرية أمريكية وشيكة للعراق، ومن هنا فإن الجولة التي يقوم بها ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط لا تعني مشاورة دول المنطقة، حول جدوى ضرب العراق من عدمه، وإنما وضعها أمام الأمر الواقع بشأن الخيار الأمريكي، باعتباره قدرا محتوما غير قابل للتراجع عنه، وعلى كل دولة بالتالي أن توفق أوضاعها مع الخيار الأمريكي في اطار المعادلة السياسية التي أعلنها الرئيس بوش في اطار الحملة الأمريكية ضد الارهاب «من ليس معنا فهو ضدنا ومع الارهاب»، ورغم أن العراق لم تكن تربطه ثمة علاقة لا مع ابن لادن أو تنظيم القاعدة، مما دعا اللوبي الصهيوني في أمريكا الى محاولة وصم العراق اعلاميا بالارهاب عبر الترويج للقاء بين قيادي في تنظيم القاعدة ومسئول عراقي بارز قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر في المانيا، إلا أن القصة الملفقة لم تقنع أحدا حتى أمريكا، ومضت زهاء أربعة شهور حتى أوشكت الحرب في أفغانستان على نهايتها، وفجأة عادت أمريكا تبحث عن مبرر وسبب آخر غير الضلوع في الارهاب لتوجيه ضربة عسكرية للعراق، رغم وعودها السابقة باستبعاد أي من الدول العربية من ضرباتها العسكرية، عندما كانت تستجدي إنضمامها أو دعمها للتحالف الدولي ضد الارهاب! على أن أمريكا التي راحت تتمسح بملف أسلحة الدمار الشامل، وخيرت العراق بين عودة المفتشين الدوليين دون قيد أو شرط وبين أن تطولها الضربات العسكرية، عادت تتحدث عن نيتها المبيتة لعزل الرئيس صدام حسين وتقويض أركان النظام العراقي، فهل لو استجابت بغداد لعودة المفتشين الدوليين، من شأنه أن يهيئ الظروف والأجواء الملائمة لعودة العلاقات العراقية الأمريكية الى سابق مجاريها الطبيعية إبان احتدام حرب الثماني سنوات بين العراق وايران؟.. لاشك أن أمريكا لا يعنيها سوى مصالحها في كل الأحوال، فهي كانت تراهن على انهاك العراق وايران وتبديد عوائد ثرواتهما النفطية في أتون المعارك العسكرية والخلافات التاريخية والعقائدية دون طائل، وحرمان أي من الدول العربية والاسلامية بالتالي من قواها الذاتية على النحو الذي يشكل بوادر الخطر على أمن اسرائيل ومكانتها الاقليمية التي تسعى اليها أمريكا، عبر التفوق العسكري على جيوش دول المنطقة مجتمعة، ويلاحظ في هذا السياق أن العراق البعيدة جغرافيا عن دول الطوق لم يسلم مفاعله النووي من قصف وتدمير الطائرات الاسرائيلية، رغم أنه كان مجهزا لخدمة الأغراض السلمية وخاضع للتفتيش الدولي، ولعله يفضي الى اعلان الرئيس بوش في خطابه مؤخرا عن حالة الاتحاد حول استهداف أمريكا ـ بعد أفغانستان ـ لمحور الشر الثلاثي الذي يضم العراق وايران وكوريا الشمالية، وتعلم أمريكا قبل غيرها أن عملية التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل طالت على مدى ثماني سنوات ظاهر وباطن كل سنتيمتر من أرض العراق، وأن المطلوب من تواصل عمل المفتشين الدوليين، إنما استمرار عملية التجسس لحساب أمريكا واسرائيل واستبقاء الحصار الدولي المفروض على العراق الى ما لا نهاية، واذا كان رهان أمريكا قد فشل في أن يهب الشعب العراقي لاسقاط صدام حسين، واذا به يلتف في وحدة وطنية حول قيادته، إلا أنه استطاع كذلك أن يستعيد قواه الذاتية وتعمير ما خربته الحرب، والى حد تطوير امكاناته العسكرية في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ، كذلك ايران التي نجحت في بناء مفاعل نووي ضخم في «بوشهر»، توقع الخبراء امكانية انتاجه للرؤوس النووية عام 2005، فضلا عن امتلاكها أنواعا من صواريخ شهاب التي تستطيع أن تطول أي بقعة في اسرائيل، وثلاث غواصات إحداهما تعمل بالطاقة النووية، وهو ما يضفي المصداقية على تهديدات وزير الدفاع الايراني وثقته في قدرات بلاده وأهبة استعدادها لردع أمريكا واسرائيل، ورفض المساس بأمن وسيادة ووحدة العراق، في الوقت الذي تشهد العلاقات العراقية الايرانية تحسنا نوعيا عبر تبادل الأسرى، وعلينا إذن أن نتساءل عن اجماع معظم الدول الأوروبية وكندا على نفي أي علاقة بين العراق والارهاب، واستبعاد أمريكا لها من خطتها الجاهزة لضرب العراق، عبر تجهيز 200 ألف جندي للانطلاق برا وجوا لانجاز المهمة في غضون الفترة ما بين شهري ابريل ومايو المقبلين، بينما لا حس ولا خبر عن موقف تضامني مع العراق من جانب الدول العربية، فإلى متى ينتظرون ـ هل كما يقول المثل ـ بعد خراب مالطة، ثم البكاء على الأطلال وإلقاء المسئولية على كاهل الشعب العراقي. ـ كاتب مصري