كان معدل القتل على الجانبين في مرحلة البداية غير قابل للمقارنة: مصرع عشرين فلسطينياً مقابل اسرائيلي واحد. الان ولم يتجاوز عمر المقاومة الشعبية الفلسطينية عاماً الا بقليل، لم تستقم المعادلة على خط المساواة فحسب، مع تسارع ايقاع المقاومة المسلحة كما وكيفاً، بل انعكست النسبة: مصرع عشرين اسرائيلياً نصفهم جنود مقابل مصرع اثني عشر فلسطينياً. وهذه هي علامة النصر تلوح على الافق. وهي علامة عظمى ذات مؤشرات تتوالى وتتراكم. كانت البداية فورة عشوائية في الشارع قوامها صبية يتسلحون بالحصى وقطع الحجارة في مواجهة جنود اسرائيليين محصنين داخل دبابات وعربات مدرعة. ومع الانتقال الى الهجمات الاستشهادية ظهرت النقلة النوعية الاولى. ومن ثم جاءت مرحلة الهجوم بالرشاشات.. وبعدها تفجير الدبابات. ومع التطور النوعي يتضاعف الكم. وعندما يجتمع قادة العرب في قمة بيروت اواخر الشهر الجاري، فإن هاجسهم الاول والاعظم يجب ان يكون في كل حال من الاحوال النظر في دعم المقاومة الفلسطينية بالسلاح. وهذا لا ينبغي ان يمنع طرح اجندة السلام العربية المتمحورة في المبادرة السعودية التي تنص على انسحاب اسرائيلي كامل من كافة الاراض العربية المحتلة مقابل اعتراف عربي باسرائيل كدولة. فالدعوة العربية الى السلام يجب الا تطرح الا من مركز قوة حتى تأخذها اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة مأخذ الجد. وبحلول موعد انعقاد القمة سوف تكون الصورة اشد وضوحاً لما تشاهده الحكومات العربية امامها حالياً من انعكاسات ونتائج للمقاومة الفلسطينية المسلحة، خاصة على الصعيد الاسرائيلي الداخلي. فبينما يستخدم ارييل شارون الان احدث ما يتوافر للآلة الحربية الاسرائيلية من ادوات الدمار الشامل، فإن استطلاعات الرأي المنشورة تفيد بهبوط متواتر في مستوى الشعبية العارمة التي كان يتمتع بها قبل نحو عام تقريباً عندما صعد الى السلطة. فهذا الزعيم اليهودي «التوراتي» الذي راهن الشعب الاسرائيلي قاطبة على وعوده، فشل في تحقيق ما وعد به. فالمقاومة الفلسطينية تتصاعد يومياً كماً ونوعاً ويتسع نطاقها، بينما الروح المعنوية في صفوف الجنود الاسرائيليين تهبط سراعاً مع تصاعد معدلات الخسارة البشرية. وعلى خط مواز لنتائج استطلاعات الرأي الاسرائيلية تنبعث روح التمرد بين ضباط وجنود الاحتياط في الجيش الاسرائيلي. فالعريضة الاحتجاجية التي حملت اول الامرتوقيع 34 ضابطاً وجندياً تحمل الان توقيع اكثر من مئتين. في هذه الاثناء يزحف شبح الركود على الاقتصاد الاسرائيلي مع تضاؤل موارد السياحة وصناعة الترفيه والتسلية في تزامن مع تصاعد ارقام البطالة. وعندما يفقد الاسرائيليون الامن ويواجهون مستقبلاً اقتصادياً يزداد قتامة كل يوم فماذا يفعلون؟ بوادر الهجرة المعاكسة اخذت تلوح. فقد جاء في الاخبار ان السفارات والقنصليات الاوروبية في اسرائيل تتلقى الان المزيد تلو المزيد من طلبات الهجرة الى بلدان اوروبا. لكن حتى الهجرة نفسها الى اوروبا لم تعد خالية من مشاكل. فالاخبار تفيد ايضاً بأن معدلات التحرش بالاقليات اليهودية في البلدان الاوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا، اخذت تزداد مؤخراً. وفيما قبل عهد المقاومة الفلسطينية المسلحة كانت نوبات الاضطهاد الاوروبي لليهود تدفع ببعض منهم الى الهجرة الى «الوطن القومي اليهودي» ـ اسرائيل. ولكن جاءت المقاومة الفلسطينية لتسقط هذا الخيار. وليس اقل شأناً من التمرد الاوروبي على المستوى الشعبي على الاقليات اليهودية ذلك التمرد الاوروبي على الصعيد الحكومي ضد الولايات المتحدة وسياساتها الدولية الاحادية بشأن «توسيع الحرب على الارهاب»، والتي تتضمن اجندتها تشجيع الحرب الاسرائيلية ضد «الارهاب الفلسطيني». كل هذه المؤشرات ذات الدلالات سوف يزداد زخمها مع الايام فتزداد وضوحاً حتى اذا التأم شمل القادة العرب في بيروت بعد نحو ثلاثة اسابيع فانهم سوف يدركون مدى قيمة المقاومة المسلحة في مساندة الدعوة الى السلام.