مبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز هي اختيار في الاتجاه الصحيح (مع صعوبته) برغم توافر ما هو أسهل! وكان الطريق الأسهل أام الرجل هو اتاحة الفرصة للمزايدة اللفظية باتجاه اسرائيل، وهو أمر سائد في الخطاب السياسي العربي، خاصة في هذا الوقت، وفي ظل ظروف الاستلاب والتراجع التي تمر بها الأمة العربية، فقد كان يمكن ان تتحدث الدبلوماسية السعودية ـ كما يتحدث غيرها ـ عن «الويل والثبور وعظائم الأمور» التي يصبونها على رأس اسرائيل، «عقابا» لها على ما تقترفه ضد اشقائنا وأهلنا في فلسطين، و«تعويضاً» عما تعانيه النساء والشيوخ والاطفال في مواجهة الدبابات الاسرائيلية. إن مجاراة هذه النغمة اللفظية المحضة بالعزف على الوتر نفسه في كيل السباب لاسرائيل، ورئيس حكومتها شارون، كانت سترضي المشاعر المتأججة في الشارع العربي، كما كانت ستصب مزيدا من الزيت على النار المشتعلة في النفوس، التي غذتها، على مدى العقود الطوال، ثقافة غير عقلانية تكتفي بمخاطبة الاذن ولا تتجاوزها الى العقل الحصيف، لكن القيادة السعودية عمدت الى تجنب سياسة «الكلام» التي لا تفضي الى نتيجة ملموسة، أو بلفظ أدق سياسة «الهَرْج» (بفتح الهاء وسكون الراء) الذي يصف ما نشاهده على الساحة العربية من اضطراب في القول الى حد الفتنة. لم يختر الأمير عبدالله المركب السهل، بل لجأ الى الطريق الصحيح، وهو طريق كان العقلاء العرب يفكرون فيه، ولكن لم تكن لدى بعضهم الشجاعة ولا الثقة بأن يقدموا عليه. ولعلنا نعرف الآن، بما هو ثابت تاريخياً، ان المرحوم الحبيب بورقيبة عندما تحدث في أريحا سنة 1965 حول قبول التقسيم الذي قرره مجلس الأمن العام 1947 قوبل ـ حينئذ ـ بوابل من الانتقادات أخرجته من المواطنة الى الخيانة، وعرفنا فيما بعد ان مشاورات تمت بهذا الخصوص مع الرئيس جمال عبدالناصر نفسه بقبول مبادرة وزير الخارجية الامريكي في نهاية الستينيات التي سميت مبادرة «روجرز» بسيل من الانتقادات والتظاهرات ايضا أخرجت عبدالناصر من الصف الوطني من دون تردد. ربما يرى البعض ان ذلك تاريخ قديم، الا ان الحقيقة البارزة ان هناك تعبئة طويلة المدى وضاربة في التاريخ العربي الحديث، ويتبنى سلبيتها كثرة، لا تزال تنظر الى الموضوع الفلسطيني كأنه موضوع لا يجوز الاقتراب منه الا عن طريق ترديد الشعارات القديمة والاغراق في المزايدات. أما التفكير العقلاني، وحساب موازين القوى الاقليمية والدولية، فهي حسابات لم يتعودها الخطاب السياسي العربي. وتأتي مبادرة ولي العهد الأمير عبدالله لكسر هذا الطوق الوهمي، الا ان هناك طريقا طويلا ينبغي ان يقطع لتثبيتها واخراجها من حلقة القول الى مجال الفعل. ولعلي ألحظ هنا ان المبادرة سوف تقع بين «بربريتين»: بربرية الصلف الاسرائيلي من ناحية، وبربرية التثقيف السياسي العربي من ناحية أخرى. في البربرية الأولى نجد انه في الوقت الذي يتدفق فيه دبلوماسيو العالم على الرياض من أجل الفهم والاستكشاف والدراسة والاستجلاء تعيث الدبابات الاسرائيلية في القرى والمدن الفلسطينية جامحة مدمرة تنثر الخوف والرعب والقتل، وتتغذى جنازيرها على أشلاء الفلسطينيين، ويزأر الرصاص مفجرا بطون الحوامل، مفتتا جماجم الآباء وهم يحملون قوت يومهم لأسر ترزح تحت الحصار متضورة من الجوع، فتتعمق الكراهية وتضيق حلقاتها، وتستولي على النفوس رغبة في الثأر، وتجتاحها شهوة الانتقام. هذه البربرية الجديدة لن تتأخر أو تتردد في وضع العراقيل أمام أية مبادرة سياسية جادة، خاصة وهي تقرأ المشهد السياسي، على الجهة العربية، بوصفه استسلاما كاملا للارادة الاسرائيلية بوجهها الشرس والصلف والمتعنت والعنصري. وإذا كانت البربرية الأولى مكشوفة واضحة لكل ذي عين، فإن الثانية خفية وغائمة وملتوية، وهي تتشكل من ترسبات التراث السياسي العربي الذي تكون باتجاه الموضوع الفلسطيني بتاريخه الدامي، فالاقتراب من الموضوع الفلسطيني كان كثيرا ما يراه الفلسطينيون أو شريحة كبيرة منهم على انه «تدخل في قضيتهم» يخل بالمعادلة ويجلب لهم الخسارة، سواء كان هذا التدخل من القاهرة أو دمشق أو الرياض أو طرابلس، فقد كان الفلسطينيون يتشاورون ـ في الأيام الخوالي ـ مع موسكو، وفي الأيام التوالي مع القاهرة أو غيرها من العواصم، ولكنهم في نهاية الأمر ينظرون الى ما أسفرت عنه ممارساتهم من نتائج سلبية على انها من صنيع الآخرين، وفي الوقت نفسه ينظرون الى ما يروقهم على انه من صنع أيديهم وحدهم، ثم يجفلون عن موضوعات أخرى كي يضعوا اللوم على الآخرين، وهي مناورات سياسية ربما كانت صالحة في زمن مضى، لكنها بالقطع لن تكون صالحة لزمن قادم! وهكذا نجد ان بعض الاقلام وبعض التصريحات قد آثرت المزايدة حول مبادرة الأمير عبدالله على الدراسة، ولجأت الى اطلاق الاحكام المتسرعة، حتى قبل ان تظهر تفاصيلها بوضوح، وقبل ان يعرف أحد آليات تنفيذها، فوجدنا ان البعض يتحدث بكل ثقة عن ان المبادرة قد «تخلت عن حق اللاجئين في العودة لديارهم»، متناسين ان الافكار الأولية المطروحة ليست هي نهاية المطاف، وإنما هي خطوط عريضة قابلة للبناء عليها، حتى تستكمل أسسها وآلياتها، وهو تفسير قدمه الاسرائيليون أولاً ثم تبناه بعض الناطقين باسم الفلسطينيين بعد ذلك، وهذا يذكرنا بما قيل ويقال حول ان «السلطة الفلسطينية »قد وقعت اتفاق أوسلو الذي فرض عليها بسبب موقفها «المعارض للعدوان على العراق» سنة 1991، وهو لي للحقائق تعود قطاع كبير من الشارع ان يقبله من دون نقاش أو تمحيص، بل ان حزب جبهة العمل الاسلامي ـ أبرز الاحزاب الاسلامية الاردنية ـ وصف المبادرة في بيان رسمي بأنها «طعن في الظهر» لجهاد الشعب الفلسطيني. ولا أريد ان استطرد في نقل مثل هذه التعليقات والبيانات التي صدرت حتى الآن وسعت الى التشويه المتعمد، الذي وصل الى حد ذهاب أحد الكتّاب في صحيفة عربية تصدر في الغرب الى ان رشوة ما للرأي العام العربي في طريقها الى الظهور، تتمثل في انسحاب اسرائيلي من الضفة والقطاع مقابل «الاطاحة بنظام صدام حسين في بغداد». الى هذا الحد وصل التفكير السقيم والافتراضي بالبعض حتى انه يصر على ألا تتحرر أرض فلسطين في مقابل الابقاء على نظام «صدام حسين»! مثل هذا التفكير الأعوج سواء في منطلقه ومرماه، ألا يجوز ان نصفه بارتياح بأنه يمثل تفكيرا بربرياً مغرقا في السفه؟! تاريخ الصراع الفلسطيني والعربي مع اسرائيل هو سلسلة طويلة من الفرص الضائعة، كما انه تاريخ زاخر بالمزايدات. واذا كان علينا ان نتذكر ان رئيس جمهورية عربيا وقبله ملك عربي قد دفعا حياتهما ثمنا لهذا الصراع، الى جانب عشرات الآلاف من الضحايا، فعلينا ايضا ان نتذكر ان أول وأكبر اغتيال سياسي في اسرائيل كان سببه المباشر هذا الصراع، وأقصد اغتيال اسحاق رابين الذي قتله أحد الشباب المتعصبين الاسرائيليين احتجاجا على توقيعه اتفاقا مع الفلسطينيين، كما علينا ان نتذكر ان مقعد المفاوضات الفلسطينية في فندق مينا هاوس ظل شاغرا، عند الاندفاع للبحث عن سلام إبان المفاوضات المصرية ـ الاسرائيلية، وهناك من الاحياء من كتب بالتفصيل عن تلك المناورة التي تخوف منها الفلسطينيون وترددوا في خوضها، كما علينا ان نذكر ان هناك اعترافا من المفاوض الفلسطيني بأن 80% من المشكلات القائمة بين اسرائيل والسلطة وجدت حلا لها في مفاوضات كامب ديفيد وطابا. لقد تميزت مبادرة الأمير عبدالله بالشجاعة والقراءة الصحيحة للمعطيات الدولية والتقدير العقلاني لميزان القوى السائد، كما لجأت الى نهج العلانية الذي أطلق الافكار المتداولة تحت الأسقف وخلف جدران القاعات المغلقة الى افاق تتجاوز هذه الأسقف والجدران. لكن حتى تؤتي هذه المبادرة ثمارها المرجوة منها يتحتم على كل الفصائل الفلسطينية ـ وفي مقدمتها «السلطة» ـ ان تعلن من دون لبس موافقتها على هذه المبادرة سواء في فلسفتها ومراميها وآلياتها، كما ينبغي ان توافق عليها الاطراف العربية ذات العلاقة، والى جانب هذا كله تحتاج الى دأب في المتابعة يتجاوز المحيط العربي، والى حوار جاد وعقلاني لمنتقديها. وهنا فقط يمكن ان يكون للعرب صدقية أمام الآخر (سواء العدو أو الصديق)، حيث يتخذون من هذه المبادرة قاعدة يستندون اليها وينطلقون منها في مواجهتهم مع العالم، فيمكنهم ان يقيموا الحجة والبرهان على ان العرب ليسوا دعاة حرب وقتال، وإنما هم دعاة سلام وحق وعدل. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت