هناك في هذه الحياة أناس يشبهون الزنبق.. يتضوعون نقاء، يتألقون جمالاً، يرتفعون فوق التفاهات فيرتشفون من الغيم، ويلونون الحياة بالأبيض، بالبهجة، بالمحبة، وبالزنبق. كجرح الشهيد العابق بطيب الجنة، تعبق زهرة الزنبق في آنية الزهر، كوجه الطفل الضاحك، كقلب العاشق تنحني بود وشفافية، وكأنها توشوش بقية زهور الآنية بسر من أسرار الخالق أودعه فيها منذ الأزل. ولا أتذكر أنني عشقت زهرة في حياتي كما عشقت الزنبق.. ولذا أحرص على أن أجعله رسالتي لمن أحب، ولمن يعجبني تألق روحه، ولمن أرجو له كل الخير والسعادة، لاطلالة الطفل، وزفاف الفتاة، واعتذارات الأحبة والأصدقاء.. أحب الزنبق وأسعد كثيراً حين يشاركني احد في محبة هذه الزهرة العبقة العابقة بعطر يشبه السحر، ويذكر بقلوب الأنقياء الأتقياء. وكم تمنيت ان أسير في حديقة زنبق، أو أن أراه يطرز حدائق البيوت وكل الزوايا الحميمة.. وقد جاءتني البارحة بشارة تشبه هطول المطر، فهناك من يزرع الزنبق في مدينتي ومن يعشقه، ومن يحمل شتلاته الصغيرة ويقدمها لي هدية.. فكانت بحق أجمل هدايا العمر. حينما جاءتني (شتلات) الزنبق أحسست بأن الحياة أجمل مما نتصور، وأن في الحياة أناساً يمسحون كل آثام الآخرين بجميل أرواحهم وسلوكهم، وان الحياة مهما احتوت من قبح وبشر مليئين بالأمراض والعقد والشر، فإنها تضم بين جوانبها أناساً ينضحون بالخير، ويشبهون الزنبق. ذكر لي صاحب الزنبق حينما اتصلت أشكره بأنه عشق هذه النبتة الساحرة منذ سنوات طويلة، وان شيئاً ما سكن نفسه وروحه تجاهها، فصار يبحث عنها وعن شتلاتها حتى عثر على اثنتين منها، فعكف عليهما عناية واهتماماً، حتى صار لديه منها اليوم خمسة الاف شجرة! يعني بستاناً من الزنبق.. كان يتحدث وكنت أسير خلال البستان وأشم الرائحة التي ملأت انحاء غرفتي.. فقط لمجرد الحديث! وفي الزنبق معنى الطهر والعطاء والأصالة، فكل معطاء أصيل يشبه الزنبق.. ولذلك فالوطن بستان زنبق، وذلك الذي يربت على كتف شاب او شابة في مقتبل العمر احتواء ورعاية وتشجيعاً يشبه الزنبق.. واولئك الذين يتفانون لكي يكون الوطن أجمل، ومساحات العطاء والاستمرار أكبر يشبهون الزنبق، اما الذين يرشون طرقات الآخرين بالأشواك فلا يشبهون سوى الشوك.. وهؤلاء نسأل: كيف تحتملون قبح أنفسكم؟