ماذا يعني لو قلت ان العشرات من العرب الفلسطينيين قتلوا بالامس وقتلوا قبله ويقتلون اليوم وربما في هذه اللحظات التي تقرأ فيها هذه السطور؟ ماذا يحدث في داخلك اصلا وانت تقابل هذه الجملة: العشرات يسقطون رميا بالرصاص والمدافع الرشاشة، دهسا واقتناصا وسحلا وتهشما تحت انقاض اسمنت البيوت؟ ماذا يعني؟ ماذا يعني ان تكتب عبارة مثل «اهلنا في فلسطين يموتون بمجانية السكوت العربي، او السكوت العالمي، او خذلان البشر للبشر، وفي ظل الجور والظلم والعدوان»، او تقول «انه يمارس ضدهم ابشع انواع الارهاب والتمييز العنصري والقمع». لا يعني شيئاً سوى انك تكرر جملا صارت عند القاريء مديات صدئة اشبعته طعناتها لدرجة التبلد فما عاد يحس ولا يشعر، بل ان الاكثر ايلاما من ذلك، ان هذه الجمل التي يكتبها الصحافيون العرب وهم يصرخون قهرا مهما بلغت دقتها لا تكون ادق من مشهد اخباري ينقل لك رائحة الدماء وتفاصيل الاشلاء المتناثرة على الاسفلت وبكاء العيون. ولّد تكرار ذبح الفلسطينيين علنا كارثة في الشعور والاحساس، وولّد احباط الفعل المضاد لايقاف الذبح المتلفز والمنقول فضائيا تبلدا خطيرا، يقول اننا اموات نتنفس ونمشي على الارض ونتناول الفاكهة الباردة امام مذيع الاخبار وهو ينقل لنا ذلك التكرار. ماذا يحدث لنا؟ اننا بالفعل نتبلد! بالفعل نمارسه ونستسيغه مع مرور الوقت! بل بالفعل تصل ببعضنا الحالة الكارثة الى «اف» طويلة بعدها وبأمر من الشعور الباطني نقلب وجه مذيع الاخبار لنتلقف خصر الراقصة الرخيصة على قناة اخبارية اخرى. تبلدنا تجاه الفواجع واصبحنا «سوبرمانات» عجيبة امام حمامات الدم، لا دبابات ولا قاذفات الصواريخ، ولا فتك انواع الرصاص يعبر جلد قلوبنا، وموت طفلة او طفل سحلا، كموت بعوضة. يا الله.. هل هذا نحن في البستنا الانيقة؟ هل هذا نحن الذين نضحك ملء اشداقنا على الطاولة الانيقة المكللة بالورد في النوادي الفخمة؟ هل هذا نحن الذين نصحو ونقضي ساعات يومنا باعتياد واريحية، ثم نتوسد وسادات النوم وننام بلا كوابيس ولا عرق يتصبب في منتصف الليل في الفاجعة؟.. هذا نحن؟! منظر البيوت المهدمة على الصغار والاطفال، منظر مراقدهم ودفاترهم المدرسية الملطخة بالدم الاحمر..هل هو احمر بالفعل؟ منظر القذيفة التي تخترق غرفة عجوز وتطحن عظامها وهي قائمة تصلي.. كل هذا لا يجدي ولا يؤثر في مشاعرنا السوبرمانية. ترى من غيرنا؟ هل نحن الذين اخترنا هذه البلادة وكلسنا مشاعرنا دفاعا عن انهزامنا الداخلي؟ ام ان الذين ارادوا لنا ان نتكلس ونتبلد وألا ننتفض عند الكارثة قد نجحوا في تدريبنا جيدا!. اننا بالفعل مدربون على صم الاذان واغماض الاعين وكم الافواه..نحن رعايا التدريب العربي القديم.. نحن من اثمر فيهم قمع الانظمة!