في لغتنا العربية المعاصرة كلمة طيبة رحيمة هي (الاستدراك) وهي بداهة من مادة (درك) و(أدرك) بمعنى اللحاق والاتباع.. ومن هنا فكلمة استدرك تعني في زماننا أن نلحق الخطأ بالصواب تجنبا لاستمرار الخطأ بطبيعة الحال. وها نحن نستدرك ما ورد في حديث سابق قالت احدى عباراته مايفيد أن كنا نفضل عباس العقاد على الدكتور طه حسين في فترات من بواكير الطلب وسني النضوج. لماذا يا مولانا؟ لأن العقاد كان يحمل لقب أستاذ أو أفندي دون رتبة أو شعار رسمي في حين كان طه حسين يحمل منذ (طفولته) لقب باشا في زمن كانت الباشوية فيه مرادفة لارستقراطية الاستعلاء عن غمار الجماهير التي نشأنا بالطبع على الانتماء الى صفوفها. وكان علينا أن نورد (استدراكا) نصحح فيه حكاية أن طه حسين كان منذ طفولته يحمل لقب باشا.. وهو استدراك لغوي لفظي بقدر ما أنه استدراك معنوي تاريخي. فمن ناحية اللفظ كان المقصود هو أن طه حسين كان يحمل الباشوية في طفولتنا نحن - بمعنى فاتح عقد الخمسينيات من القرن الماضي ـ ومن الطريف أن الملك فاروق كان مترددا أو فلنقل لم يكن متحمسا لمنح الدكتور العميد، المثقف الكفيف المناضل لقب باشا - لماذا ياصاحب الجلالة؟ هكذا سأله الزعيم مصطفى النحاس- لأن طه حسين هذا رجل.. شيوعي أو هكذا صورت الأوهام أو صور اغوات الحاشية سيرة وسلوك طه حسين في عين ملك مصر الأسبق ولم يشفع له كتاباته الطلية الرصينة عن تاريخ الاسلام، وتحمل عناوين: الفتنة الكبرى.. الشيخان.. علي وبنوه.. مرآة الاسلام.. على هامش السيرة وهو الكتاب الذي أخرجوا على أساسه أول فيلم عربي عن فجر الدعوة المحمدية وكان عنوانه (ظهور الاسلام) وقد اقبلنا على مشاهدته أكثر من مرة ونحن في طور الطفولة المتأخرة ورغم سذاجة اخراجه (قام بالاخراج فنان ذكر ان اسمه كان ابراهيم بك عز الدين ولم نسمع عنه بعدها قط) ـ الا ان الفيلم خلب ألبابنا الغضة بل واستأثر باهتمام واعجاب ملايين المسلمين في فجاج شتى من الأرض، لاسيما وان عناوين الفيلم (التترات) كان يسبقها مشهد للدكتور طه حسين (باشا) شخصيا وهو يمهد للقصة والأحداث بصوته الوئيد الرخيم المطمئن.. ومازال يروع المرء ما تناهى إلى اسماعنا من اخبار اخوتنا في العقيدة من مسلمي جنوب الشرق الأسيوي وقد قيل انهم حين كانوا يغشون دور السينما في بلادهم لمشاهدة (ظهور الاسلام) كان الفرد منهم يخلع نعليه! على باب دار الخيالة تأدبا لما سوف يشاهد ومحبة واجلالا. لم يشفع هذا كله لطه حسين. الذي اتهمه الملك فاروق أحمد فؤاد بأنه.. شيوعي وربما كان الملك الشاب (عمره وقتها كان 30 سنة لا أكثر) يذكر ويستنكر ما أورده طه حسين في أواخر الأربعينيات في كتاب صغير أصدره بعنوان (المعذبون في الأرض) وعرض فيه التباين - بل التناقض الطبقي الصارخ والمفتقر الى العدل والتسوية ـ بين مواطني القطر المصري.. ولا اكتمك أن الكتاب - وهو من سلسلة (اقرأ) ذات الأيادي الناصعة على أجيال المثقفين العرب - ليس تحت يدي في هذه اللحظات ومع ذلك فها هي الذاكرة تعي وتستعيد عبارات املاها الدكتور طه حسين في مقدمة الكتاب فاستطاعت بلاغته أن تشحن الخواطر وتحرك السواكن في مجتمع مصر اذ كان يموج بدعوات العدل والتغيير وقال فيها طه حسين: (إلى الذين يحرقهم الشوق إلى العدل، وإلى الذين يؤرقهم الخوف من العدل.. إلى الذين لا يجدون ما ينفقون وإلى الذين يجدون ما لا ينفقون.. أسوق هذا الحديث). والمهم ان طه حسين حصل على الباشوية بفضل اصراره (وضمانات) النحاس باشا.. وكان عمر الدكتور العميد وقتها هو 61 سنة بالتمام والكمال.. ولم يحصل عليها في طفولته كما اسلفنا - من باب الاستدراك في صدر هذا الحديث بالعكس.. كانت طفولة طه حسين رقيقة الحال.. تكاد أسرته تكفي نفسها بشق الأنفس اذ كان الوالد موظفا بسيطاً ذا ذرية وعيال.. وكانت قريتهم (عزبة الكيلو) من أعمال مديرية (محافظة) المنيا في اقليم صعيد مصر الأوسط قرية بسيطة وفقيرة مثل آلاف القرى المنبثة على خريطة مصر بين الدلتا والصعيد. وكان اختلاف الفتى الكفيف طه حسين الى مركز مغاغة الذي تتبعه القرية الصغيرة بمثابة نقلة الى حضارة أخرى، ومازالت القرية موجودة وان كانت لا تزال للاسف واقعة بين براثن الاهمال أو التجاهل أو النسيان وهي التي أخرجت إلى الناس واحدا من أصفى وأجل العقول العربية في العصر الحديث. ولم يكن طه حسين ليخجل من طفولته الفقيرة ولا حياته التي كان يخيم عليها شبح الحرمان وتعاسة الآفة التي حرمته نعمة البصر ولا شظف العيش حتى بعد أن انتقل مجاورا بمعنى دارسا في رحاب الازهر الشريف بالقاهرة مع تحول الدنيا الى فاتح القرن العشرين. مازالت الذاكرة - وما أعجب تصاريف الذاكرة قد تنسى ما أصبناه من طعام بالأمس، ولكن ها هي تستدعي من جديد العبارات التي وردت في اخر الجزء الأول من كتاب (الأيام) ـ السيرة الذاتية للدكتور طه حسين وفي تلك السطور يخاطب طه حسين ابنته الأثيرة أمينة قائلا: كان أبوك يقضي الاسبوع والشهر والسنة لا يأكل الا خبز الأزهر، وويل للازهريين (وقتها) من خبز الازهر ان كانوا لا يجدون فيه سوى فنونا من الاذى وألوانا من القش وصنوفا من الحشرات وكان أبوك يقضي الأسبوع والشهر والسنة لا يغمس هذا الخبز الا في العسل الأسود (دبس القصب) وأنت لا تعرفين العسل الأسود، وخير لك الا تعرفيه.. ففي ظل قسوة الطفولة التي عاشها طه حسين وكان لابد من تصحيح المعلومات.. فلم تشهد تلك الطفولة لا باشوية ولا بكوية بل شهدت فتى صعيديا مكفوف البصر.. ساذج الثياب تقتحمه العين وقصارى آمال أسرته أن يعود إليها واعظا في القرية أو معلما في أحد كتاتيب تدريس الالفباء أو تحفيظ الناشئة بضعا من آي القرآن الكريم.. وما كان مثل هذا التصحيح يتم سوى باللجوء الى حكاية الاستدراك هذه التي نتصور ان لها فضلا عميما على جماهير القارئين بل وجموع الطابعين والناشرين على مدى تاريخ الطباعة العربية، وهو تاريخ طويل حقا قد يعود ـ كما تؤكد مراجع موثوقة الى عام 1486 حين ظهرت حروف الأبجدية العربية وطريقة النطق بها في كتاب بمدينة ميفز الالمانية اصدره راهب ينتمي الى طائفة الدومينكان اسمه مارتان روث.. ومن عجب أن ظل أهل العالمين العربي والاسلامي يرتابون في أمر الطبعة وحروفها واصداراتها.. وما اذا كانت موافقة لصحيح الدين أم أنها قد تكون رجسا من وسوسة الشياطين! الى أن قيض الله لهم، ولنا أيضا رجلا مستنيرا هو شيخ الاسلام عبدالله أفندي مفتي الدولة العلية العثمانية الذي أفتى ـ جزاه الله خيرا بجواز استخدام المطبعة (الحديثة) في اصدار الكتب وان عدم اصدارها مخطوطة على يد فناني النسخ والخطوط اليدوية الجميلة لا يذهب بركتها ولا يبدد منفعتها وكان ذلك - خذ بالك - في عام 1716 للميلاد ومع ذلك - تقول الموسوعة العربية - فقد سبق لبنان الى التعامل مع المطبعة منذ عام 1610 وان كانت اول طباعة عربية في لبنان قد صدرت عام 1734. ومالبثت هذه الجهود الفردية أو الفئوية المتناثرة والمشتقة أن اكتسبت طابعا مؤسسيا واطارا تنظيميا وحكوميا عندما قام أبو ابراهيم - محمد علي باشا حاكم مصر ومؤسس نهضتها الحديثة بانشاء مطبعة بولاق بجلالة قدرها في عام 1819 وهي الجد الجليل الاعلى للمطابع الاميرية القائمة حتى كتابة هذه السطور. لكن على مر هذا التاريخ كان الناشرون يدركون كم من الاخطاء الطباعية شابت اصداراتهم سواء في مراحل الجمع أو الصف أو المراجعة أو التصحيح.. وكم من كتاب لا تجاوز صفحاته المئة كان يصدر وفي آخره يعمد الناشر الشاطر الى طبع صفحة ختامية تحمل العنوان العتيد (استدراك).. وفيها جدول بالكلمات الغلط والكلمات الصحيحة متبوعة برقم الصفحات.. ثم يبالغ صاحبنا الناشر بعد هذا كله في شطارته فإذا به يتبع هذا كله بعبارة مأثورة في متن الطباعة العصرية في وطن اليعاربة تقول: (هذا.. وبالنص هنات أخرى لا تغيب عن فطنة القارئ اللبيب).