تطبيع العلاقات بين الدول العربية واسرائيل نرحب به. اما الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي العربية المحتلة فمسألة فيها نظر. هذه هي خلاصة الموقف الامريكي الرسمي حيال مبادرة السلام السعودية. وهو على هذا النحو ان شئت الدقة ليس موقفاً امريكياً انما هو في الحقيقة موقف اسرائيلي تتبناه واشنطن. وسوف نسمع كلاماً امريكياً كثيراً في الاسابيع المقبلة. وبطبيعة الحال لن تتبلور المبادرة السعودية بشكل رسمي ونهائي الا بعد ان تتحول الى مبادرة عربية تصدر عن قمة بيروت العربية المرتقبة في اواخر مارس الجاري، فتخرج من الدائرة الاعلامية الى الدائرة الدبلوماسية. ولكن اخطر ما يمكن ان يصدر عن واشنطن بعد اقرار المبادرة رسمياً على المستوى العربي الحكومي هو اقتراح بوقف اطلاق النار بين الفلسطينيين والاسرائيليين من اجل «التهدئة ووقف العنف»، بحجة «تهيئة المناخ الصحيح» للتفاوض حول المبادرة.. وبالتالي تتحول المبادرة من اختراق دبلوماسي عربي، الى مدخل امريكي للقضاء على المقاومة الفلسطينية بالتدريج. ان الميزة الجوهرية للمبادرة السعودية هي انها تنطوي على صفقة واحدة موحدة لا تقبل التجزئة وهي: تطبيع عربي كامل يقابله انسحاب اسرائيلي كامل. فالتجزئة في هذه الحالة لا تفسد جوهر المبادرة فحسب بل تنسفها من اساسها. فلا يجب ان يتوقع الطرف العربي ان توافق اسرائيل على الانسحاب الكامل دون مكافأة التطبيع العربي الجماعي. وبنفس القدر يجب الا يتوقع الطرف الاسرائيلي ان يقبل العرب بتطبيع كامل للعلاقات مع اسرائيل دون مقابل متكافئ ـ وهو الانسحاب الاسرائيلي بالكامل. فما هو الموقف الامريكي في ضوء هذه المعادلة المتوازنة؟ باختصار تريد الولايات المتحدة من العرب ان يعترفوا باسرائيل ويقيموا معها علاقات طبيعية لضمان امنها وبقائها، على الا تتقيد اسرائيل بانسحاب كامل. هذا ملخص ما ورد على لسان مستشارة الرئيس الامريكي للأمن القومي كونداليزا رايس. واذا كان الانسحاب الاسرائيلي فيما يتعلق بالضفة الغربية وغزة هو تمهيد لأن تقوم الدولة الفلسطينية على هذه الاراضي، فإن رايس تقول «ان تقرير الحدود النهائية للدولة الفلسطينية يجب ان يتم خلال عملية التفاوض» ـ اي ان الانسحاب الاسرائيلي موضع نظر وأخذ ورد. لقد سئلت مستشارة الرئيس الامريكي للأمن القومي تحديداً عن موقف الولايات المتحدة تجاه المطالبة العربية بانسحاب اسرائيلي كامل الى حدود ما قبل 5 يونيو 1967، فقالت ان الحدود النهائية للدولة الفلسطينية يجب ان تقرر من خلال التفاوض بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي». و«التفاوض»، هذه العبارة التي ابتذلت من خلال التواطؤ الاسرائيلي الامريكي، مدعاة بالطبع الى تطبيق توصيات «لجنة ميتشيل» و«تقرير تينيت» بشأن «وقف العنف» و«التهدئة».. وهذه هي بالضبط اللغة الخداعية الازدواجية التي يعتمدها ارييل شارون لاخماد نار المقاومة الفلسطينية المسلحة. هنا الخطورة العظمى فمن الواضح ان الثنائي الاسرائيلي الامريكي لن يعلن رفضاً قاطعاً للمبادرة العربية المقترحة. كما لن يعلن قبولاً كاملاً. وانما يرى في المبادرة مدخلاً لتدجين المقاومة الفلسطينية المسلحة تمهيداً لاخمادها نهائياً باسم ضرورات عملية تفاوضية مقرر لها مسبقاً ان تكون عقيمة وبلا نهاية. فهل لدى الطرف العربي خطة تحويطية لمواجهة سياسة المماطلة الاسرائيلية الامريكية ام ان الحكومات العربية سوف تتجاوب مع الولايات المتحدة واسرائيل في ممارسة ضغوط على الطرف الفلسطيني للتوقف عن «اعمال العنف» من اجل «تهيئة الاجواء» للعملية التفاوضية؟ سوف ترتكب الحكومات العربية خطأ عظيماً لو قبلت بمثل هذا الترتيب الخبيث. فالنشاط اليومي النضالي لحركة المقاومة الفلسطينية المسلحة يمثل الورقة التفاوضية الوحيدة التي من المتاح للحكومات العربية استخدامها اذا كانت حقاً جادة في لي الذراع الاسرائيلية الامريكية على الصعيد التفاوضي. واذا كان عرض التطبيع الكامل على اسرائيل هو بمثابة «جزرة» عربية فإن تأجج المقاومة الفلسطينية هو بمثابة «العصا» اذا فشلت الجزرة في تحقيق المطلوب.