تتعامل الإدارة الأمريكية الحالية مع منطقة الشرق الاوسط بمثابة «وحدة مشاكل متكاملة»، وهذا ما كانت عليه ايضاً ادارة الرئيس بوش الاب في مطلع التسعينيات حينما اطلقت «مؤتمر مدريد للسلام بين العرب واسرائيل» على قاعدة نتائج حرب الخليج وافرازاتها السياسية والامنية والاقتصادية. الإدارة «الديمقراطية» السابقة تجنبت هذا الرابط بين الملفين «العراقي» و«الفلسطيني»، فقد حرص الرئيس السابق بيل كلينتون على تجميد الأوضاع عموماً في الملف العراقي مقابل تحريك واسع لملف عملية السلام بين العرب وإسرائيل، وتحديداً ملف الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، وشهدت الأشهر الأخيرة في ولاية الرئيس كلينتون أقصى درجات الانغماس الأمريكي في هذا الملف. أما الإدارة «الجمهورية» الحالية فقد ابتعدت نسبياً منذ استلامها سلطة القرار في «البيت الابيض» عن الملف الفلسطيني مقابل تركيز شديد على «الملف العراقي». واستفادة الإدارة الأمريكية الحالية من تداعيات أحداث 11 سبتمبر لكي تدفع المواجهة مع العراق إلى حالات التصعيد القصوى، كما انتقل مؤخراً الخطاب الرسمي الأمريكي عن العراق من تلميح إلى دور للنظام العراقي في احداث سبتمبر واتهامات لبغداد بتورطها في رسائل «الجمرة الخبيثة»، إلى تركيز على مسألة أسلحة الدمار الشامل، إلى الحديث مباشرة عن هدف تغيير نظام الحكم في بغداد. النموذج الافغاني وهذا التنقل في الخطاب الأمريكي عن العراق (وإن كانت مضامينه كلها ليست بجديدة) يشير من جهة إلى عجز واشنطن عن توفير اثباتات بشأن اتهاماتها لبغداد، وبالتالي عدم تأمين دعم دولي او عربي للتوجه الأمريكي التصعيدي القادم، كما يوضح هذا التنقل في الخطاب الأمريكي حقيقة الهدف المطلوب للمرحلة القادمة بعد أن نجحت واشنطن في تغيير نظام الحكم في أفغانستان واعتقادها بإمكانية تكرار التجربة في العراق أيضا. فالحرب الأمريكية القادمة على العراق ستصيب اكثر من غاية منشودة أمريكيا في هذه المرحلة، وهي غايات تشمل تحقيق مصالح على ثلاثة مستويات: مستوى خاص بالرئيس بوش وادارته الجمهورية في هذه السنة الإنتخابية، ومستوى خاص بالقوى الاقتصادية والعسكرية التي تدعم توجهات الادارة الحالية في تصعيد لهجة الحروب مع الخارج، ومستوى خاص بالسياسة العامة للولايات المتحدة والتي يشترك في الحرص على تحقيقها كل الإدارات مهما اختلفت هويتها السياسية. الشيء المميز للحرب الأمريكية القادمة على العراق، إنها تحمل معها «النموذج الأفغاني» دون إدراك دقيق لاختلاف الظروف والوقائع واحتمالات النتائج السلبية على أمريكا نفسها من هذه الحرب. وليس واضحاً بعد إذا كانت الإدارة الأمريكية بنية تغيير النظام فقط في العراق أم أنها بصدد تغيير الخرائط الجغرافية لمنطقة الشرق الأوسط التي وضعها البريطانيون والفرنسيون بعد الحرب العالمية الاولى. فالعراق كيان مركب من مزيج متنوع من الطوائف والأعراق القومية، وستكون أحداثه الداخلية القادمة شديدة التأثير على الدول المجاورة للعراق. ولن تكون تطورات الأوضاع في العراق بمنأى عن التدخل الإسرائيلي المباشر وغير المباشر في ظل حكومة شارون الذي نادى بتغيير خرائط المنطقة منذ أواسط السبعينيات، كما طالب أكثر من مرة بأن يكون الأردن هو «الوطن الفلسطيني البديل». سيناريو لمشروع أمريكي في المنطقة العربية أفترض سيناريو (كتبت عن بعضه سابقاً منذ سنوات) لمشروع أمريكي، في إطار الرؤية الأمريكية الشاملة للمنطقة، هو كما يلي: ـ سعي الإدارة الأمريكية إلى تحريك عملية السلام بين العرب وإسرائيل وتجميد الأوضاع الأمنية الساخنة في ملف الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي. ـ بدء تنفيذ «صيغة ميتشيل» ثم المماطلة الإسرائيلية في تنفيذ الاتفاقات مع الفلسطينيين وتأجيل القضايا الكبرى (القدس وقضية اللاجئين) لتمهيد الطرق أمام حل مشكلة القدس من خلال صيغة علاقة مع الأردن، وحل مشكلة اللاجئين من خلال صيغة علاقة مع العراق!. ـ بعد إعلان «الدولة الفلسطينية» التي عليها ـ لكي توافق أمريكا وإسرائيل على الاعتراف بها - أن تتحد مستقبلاً مع الأردن في إطار «اتحاد فيدرالي»، وفي ظل الالتزام الكامل بالمعاهدات مع إسرائيل، والتي نصّت أصلاً على تنسيق خاص بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية. ـ السعي لاتفاق إسرائيلي مع سورية ومع لبنان. ثم بعد الاتفاقات مع سوريا ولبنان وتوقيعهما لمعاهدات سلام مماثلة لما هو حاليا مع مصر والأردن، يسقط مبرّر الاعتراض القائم عند بعض دول الخليج العربي عن إقامة العلاقات مع إسرائيل أو التطبيع معها. ـ إحياء مشاريع الشرق أوسطية كلّها (اقتصاديا وتجاريا وماليا) بين إسرائيل والعرب، وعقد مؤتمر اللجان المتعددة للتطبيع المؤجل حتى الآن. ـ إحراج الموقف الإيراني بعد الاتفاقات مع سورية ولبنان (ماذا سيكون موقف إيران في حال الاتفاقات بين سورية ولبنان وإسرائيل ثم خطوات التطبيع مع الدول العربية؟..). ـ يرافق الخطوات الواردة أعلاه تحريك الوضع العسكري الداخلي في العراق (خاصة في الشمال) وبدء مرحلة من الصراع الداخلي المسلح ليكون الحل لمستقبل العراق هو «اتحاد هاشمي» مع الأردن (المتحد مع السلطة الفلسطينية تحت مظلة «الاتحاد الكونفدرالي»).. وطبعاً على أساس الاتفاقات القائمة مع إسرائيل، ممّا سيؤدي إلى «حل» المشكلة العراقية على طريقة الصيغة الأمريكية. ومع هذه الخطوة يمكن أيضاً «حل» مشكلة اللاجئين الفلسطينيين من خلال توطينهم داخل العراق والأردن باعتبارهما أرضاً مشتركة مع «الدولة الفلسطينية» في إطار «الاتحاد الكونفدرالي»! وربما يسير تنفيذ السيناريو تبعاً لما قاله المدير السابق لوكالة المخابرات الأمريكية جيمس وولسي Woolsey) في برنامج Crossfire على محطة CNN (16/11/1998) الذي أشار إلى إمكان إعلان حكومة عراقية في المنفى وجعل كل سماء العراق منطقة محظورة الطيران، وأيضاً جعل مناطق الشمال والجنوب مناطق محظورة السيارات العسكرية إضافة إلى كونها الآن محظورة الطيران، وأشار أيضاً إلى إمكانية أن تتولى المعارضة العراقية في الشمال والجنوب بيع النفط الموجود في أراضيها لدفع ثمن السلاح الذي تحتاجه، وإطلاق اسم «المناطق المحررة» على الأراضي التي تستولي عليها المعارضة بدعمٍ أمريكي... وبأنّ ذلك كلّه سيؤدي إلى إضعاف النظام العراقي دون اضطرار أمريكا لإرسال أيّة قواتٍ للأراضي العراقية. ما يعني كلّ ذلك؟ صحيحٌ أنّ النظام العراقي استمر في الحكم طوال السنوات الماضية بفعل قوة قهره الداخلي ورفضه الاستقالة وتحمل مسؤولية الدمار الذي ألحقه بالعراق والكويت وجواره العربي وبأمته العربية عموماً، لكن ما ساعد على استمرار هذا النظام أيضا هو سماح الحكومة الأمريكية له عام 91 باستخدام الطائرات المروحية التي قمعت انتفاضة العراقيين في الجنوب والشمال عقب انتهاء الحرب، تلك الانتفاضة التي حدثت تزامناً آنذاك مع دعوة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لتغيير النظام العراقي. وكان ذلك الموقف الأمريكي محيّرا للجميع في تلك الفترة. ثم استطاعت أمريكا - بسبب استمرار النظام العراقي ومن خلال الحصار الذي استمر طيلة السنوات الماضية - أن تبرّر وجودها العسكري الكثيف في المنطقة وأن تفرض الحاجة الأمنية لها، وأن تزيد طبعاً في إضعاف العراق كدولةٍ وكشعب دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف الحكم الذي أرجع مصائب أعماله كلّها إلى الحصار المفروض على العراق بشكلٍ منع حتى من إمكان الانتفاضة الشعبية بالداخل على اعتبار أنّ المسؤول عن مآسي الجوع والدمار هو الخارج فقط وليس نظام الداخل أيضاً. تهيئة الوضع في العراق ولتحقيق هذا السيناريو، فان مراحل عديدة قد تهيّأت، لكن يبقى الآن تهيئة الوضع في العراق من خلال الآتي: قد تبدأ العمليات العسكرية في إطار المواصفات التي تحدّث عنها المدير السابق للمخابرات الأمريكية مع شبكة CNN: ـ إعلان حكومة في المنفى. ـ إعلان مناطق محررة (في شمال العراق). ـ السيطرة على منابع للنفط وتصديره عبر تركيا لشراء أسلحة. ـ إضافة حظر إستخدام السيارات العسكرية العراقية في المناطق المحظور فيها إستخدام الطائرات. ـ احتمال اختيار الشريف علي (ابن خالة الملك فيصل الثاني الذي كان يقود العرش الهاشمي للعراق والأردن حتى عام 1958) ليكون رئيس «حكومة المنفى» لاعتبار أنّه الحلّ الوسط الضعيف بين قوى المعارضة المتصارعة، ولأنه -كما يقول هو - وريث العرش الهاشمي الآن. والشريف علي مقيم في لندن ويتحرك منذ فترة تهيأةً لهذا الأمر باسم «حركة الملكية الدستورية». ـ التشجيع لقيام إنتفاضة جديدة في جنوب العراق، وعدم السماح لإيران بالتدخل فيها (ربما يفسر هذا إدراج أمريكا لإيران في «محور الشر» بهدف عزلها عن التطورات الممكنة في العراق) . وسيكون ذلك مساهماً من جهة في محاصرة النظام في منطقة بغداد وبتفسيخ الكيان العراقي عملياً وسياسياً، كما سيؤدي ذلك، من جهة أخرى، الى تبرير التعزيزات العسكرية الأمريكية في الخليج ومضاعفة المخاوف العربية والدولية من تطورات الوضع في العراق. من الطبيعي ـ في ظل إحتمالات هذا السيناريو ـ أن يستمر نظام صدام حسين على وسط بغداد، وسيأخذ صراعه مع منطقة الشمال خصوصاً، طابع الحرب الأهلية التي لا يعود هناك ضرورة بعدها للحديث عن الحصار على العراق، باعتبار وجود «مناطق محررة» تحارب النظام في بغداد وتتصل جغرافياً مع الأردن وتركيا وتستفيد من آبار النفط الموجودة في أراضيها. وسيكون المنطق الرسمي الأمريكي حينها: إذا أراد باقي العراق (غير الشمال) الخروج من الحصار فعليه الانضمام للمناطق المحررة ولحكومة المنفى!. وهنا الإحراج مرة أخرى لجنوب العراق وكيف سيتعامل مع هذا الوضع بما فيه من اعتباراتٍ كثيرة. ولأنّ الأمر سيأخذ وقتاً من الحرب الأهلية الداخلية (حسب إفتراض هذا السيناريو الأمريكي)، فإنّ النظام العراقي سيبقى حاكماً لفترة على وسط بغداد وربما جنوبها لمرحلة، وبالتالي سيكون مبرراً استمرار الحشود العسكرية الأمريكية والحاجة اليها في منطقة الخليج، لأنّ الأخطار ستزداد في الاحتمالات كلّها.وطبعا فإنّ سورية خارج إطار هذا الصراع وتفاعلاته، وقد جرى توقيع اتفاق تركي معها يمنع تدخلها بالشأن الكردي عموماً، وهي لن تستطيع أن تكون مع «حكومة المنفى» ولا طبعاً مع نظام صدام حسين! (ربما أيضاً يفسر هذا عدم إدراج أمريكا لسورية في «محور الشر» بهدف تحييدها عن التطورات الممكنة في العراق). في الأحوال كلّها، سيكون واقع حال العراق شبيهاً بما حصل في لبنان في الثمانينيات بعد الإجتياح الإسرائيلي: حكومة مركزية ضعيفة لكن مستمرة، وقوى عسكرية عديدة متداخلة ومتصارعة في المناطق الأخرى. أي كانتونات عسكرية على الأرض في ظلّ شعارات «الحفاظ على وحدة الأرض والسيادة والتحرر». ترتيبات مشبوهة لقد أدّى الحكم العراقي خدمته الكاملة (بقصدٍ أو بغير قصد) للولايات المتحدة قي ثلاثة عقود متتالية، وربما حان الآن الوقت الأمريكي لإحالته على «التقاعد» لسببٍ أو لآخر.. أليس هذا ما حدث في باناما مع الجنرال نورييغا في مطلع التسعينيات ؟! وتجد الإدارة الأمريكية مصلحة في ترتيب بناء واقع جديد في منطقة الشرق الأوسط - لا يُغّير كثيراًمن طبيعة الحدود والكيانات - لكن يقوم على اتفاقات ومعاهدات بين إسرائيل والدول العربية، بحيث تكون التكتلات الإقليمية وصيغ العمل المشترك، مسموح فيها بمقدار ما تساهم فيها إسرائيل وبما يحقق ويضمن المصالح الأمريكية. وستكون من نتائج هذا الواقع العربي المنشود أمريكياً، إقامة محور إسرائيلي مع الأردن والسلطة الفلسطينية (و«حكومة العراق الجديد» مستقبلاً)، إضافة للمحور الإسرائيلي/التركي القائم حالياً، مما سيفرز مشاريع اقتصادية مشتركة كمدّ أنابيب للنفط من العراق لإسرائيل عبر الأردن، وكإقامة قناة مائية من البحر الأحمر للبحر المتوسط ثم من البحر الأحمر إلى خليج العقبة ممّا يضعف الحاجة لدور قناة السويس. إن المنطقة العربية تعيش الآن مرحلة انتقالية هامة، وهي مستهدفة في إطار مشاريع صيغ أمريكية مصحوبة بدور إسرائيلي بارز، وليس بالتعامل مع رؤية عربية مشتركة، فعسى أن تتدارك القمة العربية المقبلة ما هو حق يملكه العرب ولكن لم يحافظوا عليه كالرجال. ـ مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن