كانت نتف الثلج الصغيرة تتساقط في منظر بديع حيث كانت تكسو الجبال المحيطة بجنيف وبحيرتها الشهيرة لتعطي صورة من الصور الجميلة التي تتميز بها كل رقعة في سويسرا في الشتاء أو الصيف حيث الجبال والغابات والبحيرات وحيث التنوع حتى في درجات الحرارة شتاء فحينما يكون أهل جنيف والمناطق الغربية يتدثرون بالملابس الثقيلة شتاء يكون أهل لوجانو في جو ربيعي جميل ويرتدون ملابس خفيفة ورغم صغر حجم سويسرا الا ان وجود جبال الالب أو مرورها بوسطها أنعم عليها بهذا الجو المتوازن والمتنوع بين شرقها وغربها. ومن يركب رحلة جوية داخلية يستطيع ان يرى الجمال السويسري من أعلى وحجم المسطحات الخضراء والمياه والبحيرات التي تتناثر في ابداع خلاق، ومن يجوبها في سيارة يرى هذا التنوع والجمال على الأرض، ورغم اني مارست كلا الشيئين مرات عديدة بل وكثيرة، الا ان جمال الطبيعة يأسرني في كل مرة في هذه البلاد وقد عبرت مرة مرتفعات الالب في سيارة وكانت الروعة عند القمة عندما رأيت الناس يستمتعون صيفا بامساك السحاب. وفوق هذه الطبيعة الخلابة وهذا الجمال فإن سكان سويسرا هم الأعلى دخلا بين سكان العالم وبلادهم تشبه الجنة، وكل شيء يشعر الزائر انه جميل فيها حتى الأكواخ المتناثرة على سفوح الجبال تشبه القصور، ومع كل ذلك فإن أهلها أكثر الناس ضجرا بها ورغبة في الهروب من ترفها، هذه البلاد التي يحلم كل انسان بزيارتها، لها وجه آخر عبّر عنه سكانها في دراسة أعدتها اذاعة «راديو سويس انترناشيونال» ومؤسسة «سويس انفو» اشارت الى ان خمسين في المئة من السويسريين يحلمون بالهجرة وترك بلادهم، وقد جاءت الولايات المتحدة على رأس لائحة الدول التي يرغب السويسريون بالهجرة اليها لانها على حد زعمهم «العيش سهل فيها» كما جاءت كندا واستراليا في المراتب التالية. ولفتت الدراسة التي نشرتها صحيفة «لوماتان» السويسرية في 19 فبراير الماضي ان الرغبة بالهجرة منتشرة بين الرجال اكثر منها لدى النساء، اما الاسباب التي تجعل السويسريين يرغبون بترك اجمل بلاد الدنيا فهي تتنوع بين الرغبة في تحسين مستواهم المعيشي، او التطور الوظيفي اما الاغرب فهو تغيير المناخ.. هذا المناخ الذي يفد اليه الاغنياء من اطراف الدنيا للاستمتاع به ولو عدة ايام ملّ منه السويسريون ويريدون ان يهربوا منه. ورغم ان كل عربي يحلم بزيارة جنيف على سبيل المثال او بالاقامة فيها الا ان كل من صادفتهم او معظمهم من المقيمين يشعرون بالملل والرتابة والضيق في هذه المدينة الجميلة ولهذا فان من الشائع فيها انها تكون شبه مهجورة في عطلة نهاية الاسبوع حيث ان قربها من الدول الاوروبية الاخرى يجعل اهلها يترقبون نهاية الاسبوع للفرار من الترف والملل، ومع ان كل شيء مدلل ومترف في هذه البلاد فان حظ المدمنين لا يقل ترفا عن حظ الاصحاء، ففي زيارات سابقة قمت بزيارة ما كان يطلق عليه «واحة المدمنين» في العاصمة السويسرية «برن» والتي كانت في ساحة البرلمان الا ان الحكومة التي كانت ترعى هؤلاء نقلتهم منها عام 1996 بعدما اصبحوا يشكلون صورة مزرية لدولة تتصدر قوائم الدول الاكثر رفاهية في العالم، ومرة اخرى شاهدت في «زيوريخ» موقعا يدعى «ليتن» يقع على ضفاف نهر ليمات وتحديدا تحت جسر «كورنهاوزيروك» حيث حددته سلطات مدينة «زيوريخ» كساحة رسمية للمدمنين وكان يلتقي فيها تحت سمع الشرطة وبصرها بل وحراستها مروجو ومدمنو المخدرات، وكانت فلسفة السلطات آنذاك تقوم على حصر اعداد المدمنين واقامة عالم خاص لهم يفصلهم عن عالم غير المدمنين وسرعان ما تحولت هذه الساحة الفريدة إلى مزار يرتاده السياح والزائرون من كل مكان، حيث كانوا يقفون كما وقفت أنا على «جسر كورنهاو زيروك» لمشاهدة صور حية لا تتوفر في أي مكان في العالم لمروجي ومدمني المخدرات الذين كانت تتراوح أعمارهم بين 16 و 30 عاماً أي زهرة الشباب ونضارته،وهم يتعاطون المخدرات بحرية تامة ويعيشون في عالمهم القذر الخاص بهم، فقد كانت الأرض عبارة عن مزبلة تضم عشرات الآلاف من الابر والأكياس الفارغة وحتى العوازل الطبية وسرعان ما أصبحت مأوى للمدمنين ليس في سويسرا وحدها وإنما في أوروبا عموماً وخاصة مدمني المانيا والنمسا القريبتين من زيوريخ، ومساهمة من بلدية زيوريخ في تيسير الادمان لهؤلاء الذين انتشرت بينهم الأمراض الفتاكة وعلى رأسها الايدز قامت بتوفير 12 ألف حقنة معقمة يومياً يتم توزيعها على المدمنين. الا ان صراعاً مسلحاً ودموياً نشب في أغسطس عام 1994 بين مروجي المخدرات بسبب الصراع على الزبائن أدى لمقتل أربعة مروجين دفع السلطات في زيوريخ إلى اغلاق المكان، وتم توجيه المدمنين إلى مراكز خاصة توفر لهم يومياً أخذ جرعات المخدر مجاناً مرتين صباحاً ومساء، وقد رأيت بعض هذه المراكز في مدينة «بازل» حيث كان المدمنون يقفون في نظام وكل منهم قد شمر عن ذراعه لأخذ الجرعة المجانية التي أصبحت توفرها الحكومة. هذه احدى الصور التي يخفيها الجمال والترف في سويسرا ولعل رغبة نصف السويسريين في الهجرة من بلاد الترف والجمال تؤكد على الانسان ان يرضى بما هو فيه حتى لو كان يعيش في كوخ طالما انه يسعد بدفء الحياة والأمان، ان الترف ليس هو كل شيء في الحياة بل انه أحياناً يدفع الانسان إلى الملل والرغبة بالهروب تماماً كما يفكر نصف سكان سويسرا ولكنها الحياة .. الكل ناقم عليها.. حتى المترفين. ـ كاتب وإعلامي مصري