يذكر الفنان التشكيلي الفلسطيني (اسماعيل شموط) في كتاب له بعنوان (الفن التشكيلي الفلسطيني) واقعة حقيقية حدثت العام 1967 بعد احتلال اليهود لمدينة القدس، حيث اقتحم الجنود الاسرائيليون مكتب جامعة الدول العربية في القدس لاعتقال مديره (توفيق حسن وصفي)، وعندما وقع بصرهم على لوحتين كانتا معلقتين هناك فتحوا عليهما نيران مدافعهم، كانت اللوحتان من ابداع (اسماعيل شموط) نفسه، احداهما باسم (النكبة)، والثانية (ربيع فلسطين)! ولقد رأيت اللوحة الثانية على صدر احدى الصفحات الثقافية في جريدة (الرأي) الأردنية منذ سنتين تقريباً، وتذكرت الحكاية عندما عرض اسماعيل شموط لوحاته في الامارات ضمن معرضه الذي تنقل به من أبوظبي ودبي والشارقة الشهر الماضي، لكنني كلما اعدت الذاكرة لأتمثل تلك اللوحة الرائعة (ربيع فلسطين) التي فتح عليها الاسرائيليون نيران مدافعهم، أيقنت بأن اكبر ما تهزم به عدوك هو تعاليك على صغائره، وأحقاده، ومضيك في طريق الجهاد والاصرار الذي نذرت نفسك له. لوحة (ربيع فلسطين) تمثل فتاة فلسطينية في عنفوان شبابها وجمالها تنطلق تحت سماء فلسطين الرائقة وتختال على مدارج حدائقها وبساتينها، فاتحة يديها للحياة والربيع ورافعة رأسها بشموخ يغيظ كل «إسرائيلي» يمكن ان تقع عيناه على اللوحة، اذن فلا عجب ان فتح الجنود نيرانهم عليها! الجنود «الاسرائيليون» لم يوجهوا نيران مدافعهم للوحة الخشب وللألوان، وانما وجهوا نيران موتهم لما تمثله تلك اللوحة من روح التحدي والمقاومة والأمل وغيرها من المعاني التي يمكن استلهامها بمجرد مشاهدة اللوحة، وهذا ما يحرص العدو ـ أي عدو ـ في الحياة على محاربته في خصمه، فالعدو لا يريد ان ينتزع سلاحك او اعترافك به عنوة، أو بأن يراك تسكن في مخيم، أو في ظل أوضاع مادية بائسة، فكل ذلك لا يحطم الارادة، ولا ينتزع روح التحدي، بل يزيدهما ويغذيهما اكثر. ولذلك فإن حرب العدو حينما تتعدى اشكالها التقليدية في المواجهة، تنحسر الى الخطوط الخلفية والمناطق المظلمة، ليبدأ عندها حرباً من نوع آخر تستهدف سحق الروح المحركة للنضال والمواجهة والتحدي، انها سياسة تكسير العظام وسجن الروح في معاقل اليأس والقهر والاحباط، لكن هذا العدو، يكتشف دائماً وكل يوم، بأن كل السياسات القذرة لا تقود سوى لنتيجة واحدة: فتح المزيد من أبواب الجحيم عليه! من الأقوى على أرض المعركة فعلياً؟ «الاسرائيليون» طبعاً! ومن هو الخائف الأكبر والحقيقي في فلسطين؟ «الاسرائيليون» طبعاً! اما الفلسطينيون فليس لديهم ما يخسرونه، ففلسطين وطنهم برغم كل ما يحدث، اما العدو فهو الخائف المليء بالرعب من ان يصحو يوماً ليجد الوطن قد عاد الى أهله، أما هو فما عليه سوى ان يعود للشتات!