الروايات كثيرة عن قمة كامب ديفيد الثانية التي عقدها الرئيس الأمريكي السابق كلينتون آخر أيامه، وجمع فيها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق باراك. وبعض هذه الروايات تقول ان الرئيس الفلسطيني عندما تزايدت الضغوط الأمريكية عليه لقبول المقترحات الاسرائيلية التي تبناها الجانب الأمريكي، طلب من الرئيس كلينتون أن يأتي له بموافقة مصر والمملكة العربية السعودية على المقترحات، وسيوقعها هو بعد ذلك بلا نقاش. وبالفعل اتصلت الادارة الأمريكية بالعاصمتين العربيتين، وكان رد الرياض ان أي حل لا يضمن السيطرة العربية والاسلامية الكاملة على المسجد الأقصى لا يمكن قبوله، وكان رد القاهرة انها تقبل ما يقبله الشعب الفلسطيني الذي سيحاسب زعماءه بقسوة اذا تنازلوا عما لا يجوز التنازل عنه. بعدها تمسك عرفات بموقفه الرافض وواجه كلينتون بأنه اذا وقع هذا الاتفاق فسيقتله شعبه، وأنه يفضل أن يموت شهيدا لا خائنا. صفقة فاشلة وغضب امريكي وفشلت صفقة كامب ديفيد. وبعدها بقليل اندلعت الانتفاضة وتغير مسار الأحداث تغيرا كاملا. ولكن الادارة الأمريكية (الديمقراطية ثم الجمهورية) وجدت في فشل المحادثات فرصة لمزيد من الانحياز لاسرائيل والعداء للعرب وبدأت حملة سريعة لتحميل عرفات مسئولية الفشل، باعتبار انه رفض حلا يتضمن تنازلا اسرائيليا كريما!! ويعيد للفلسطينيين معظم غزة و95% من الضفة، وهو ماثبت انه كاذب مئة في المئة، فالعرض الأمريكي (الاسرائيلي أصلا) لم يكن يعيد أكثر من 70% من الأراضي في كانتونات ممزقة ومحاصرة بالمستوطنات، وفي دويلة لا تملك من أمرها شيئا.. حدودها وأجواؤها ومياهها الاقليمية تحت سيطرة الاسرائيليين، والاسلحة الوحيدة التي تملكها هي البنادق والعصى لمقاومة مواطنيها لا أعدائها. أما القدس فتحت السيطرة الإسرائيلية، وكذلك المياه، وأما اللاجئون فلن يعود منهم الا بضعة آلاف من الباقين على قيد الحياة من اللاجئين في عام 48 وبشكل إنساني ودون أي اعتراف بالمسئولية الاسرائيلية عن المأساة. وكانت الحملة رغم غرابتها - مفهومة - فالرئيس الأمريكي السابق كان يريد أن يدخل التاريخ، ويبدو انه تلقى اشارات مشجعة من بعض القيادات الفلسطينية المحيطة بعرفات على امكانية تمرير الصفقة، ومن هنا فوجئ بالموقف الحاسم لعرفات، فكان الغضب الأمريكي الشديد الذي تضاعف مع اندلاع الانتفاضة. لكن الغريب بعد ذلك، أن الحملة الأمريكية امتدت الى مصر لتحملها جزءا كبيرا من المسئولية عن الفشل الأمريكي، وتؤكد انها تتخذ موقفا متشددا، وتضغط على عرفات حتى لا يوافق على الحلول المعروضة عليه، أو لا تستخدم نفوذها لاقناعه بالموافقة. وامتدت الحملة من تصريحات رسمية تبدي الاستياء، الى تهديدات في الكونجرس بقطع المعونة، الى حملة صحفية بلغت أوجها بتلك الرسالة الشهيرة التي كتبها الصحفي اليهودي فريدمان والذي كان قد جرى تسويقه وتلميعه في المنطقة قبل ذلك، واستقبلته دوائر معنية في القاهرة استقبال الفاتحين عندما جاء مع كتابه المتواضع علميا عن العولمة. كتب فريدمان رسالة تصور أنها موجهة من الرئيس الأمريكي بوش الى الرئيس المصري مبارك، جمع فيها كل (الاتهامات) التي توجهها الدوائر الصهيونية الأمريكية ضد مصر بعرقلة السياسة الأمريكية في المنطقة وتشجيع عرفات على عدم السير في طريق السلام الأمريكي - الاسرائيلي - بالاضافة الى جرعة من الحديث عن الدعم الأمريكي للنظام المصري رغم ماتراه واشنطن من سلبيات في الادارة وتراجع في المسار الديمقراطي و..!! أما السعودية فقد بدأت الحملة عليها بهدوء ثم تصاعدت مع توجيه انتقادات علنية من الرياض لسياسة أمريكا تجاه القضية الفلسطينية التي وصفها وزير خارجية السعودية بالجنون، ومع خطاب متشدد في عدة مناسبات من ولي عهد السعودية الأمير عبدالله. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر لتوفر لواشنطن فرصة تصعيد هجومها على العرب والمسلمين، وكان نصيب السعودية كبيرا على خلفية ابن لادن السعودية، ومع الكشف عن أن معظم (المشتبه) في ارتكابهم أحداث 11 سبتمبر من رعايا السعودية. وكانت الحملة شديدة - اختلط فيها كل شئ.. العداء للاسلام مع الرغبة في الانتقام من أحداث 11 سبتمبر، مع الرغبة في اسكات أي صوت معارض لضرب افغانستان بلا دليل على ضلوعها في الجريمة - مع الاستعداد لضربات اخرى لدول عربية واسلامية قريبة في مقدمتها العراق وايران وضرورة تحضير المناخ المناسب لهذه الضربة التي تعارضها الشعوب العربية والاسلامية، خاصة وهي ترى أن (محور الشر) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بوش محور كاذب، وأن محور الشر الحقيقي مركزه تل أبيب ويضم الى جانب اسرائيل كل من يدعمونها في حربها القذرة ضد الشعب الفلسطيني. ورغم كل التعالي والغطرسة التي تعاملت بها الادارة الأمريكية، فقد كانت مرغمة على اعادة النظر في الموقف كله بعد انتهاء حربها في افغانستان. فتهديداتها بالحرب التي تقرر هي مكانها وهدفها وتقود العالم كله وراءها اثارت معارضة أقرب حلفائها في أوروبا. ودعمها الكامل لحكومة شارون فشل في تحقيق أي شئ.. فلا المقاومة الفلسطينية توقفت، ولا الشعب الفلسطيني ركع، والذين ذهبوا الى واشنطن من المسئولين العرب ليعلنوا أنهم جاءوا (يتسولون) حلا أمريكيا كانوا لا يمثلون الا أنفسهم والأزمة التي تصورت واشنطن انها ستحاصر العرب بدأت تحاصر غيرهم. وبدأت اسرائيل نفسها تواجه خطر الانقسام بعد اقرار الجميع بفشل سياسة القوة العمياء التي تتبعها حكومة شارون، وأوروبا تتمرد على السلطة الأمريكية، والصمود الفلسطيني وضع العرب في مواجهة مسئوليتهم، ومع ذلك بقيت السياسة الأمريكية تناور للاحتفاظ بخطوطها الأساسية. ورفضت واشنطن التعامل مع مبادرة فرنسية لوقف التدهور على أرض فلسطين، وتمسكت بأن تكون كل الخيوط في يدها، واستمرت في تأييد حكومة شارون، وفي ممارسة الضغوط على عرفات وتحميله المسئولية، واستمرت كذلك في الاعلان عن نيتها ضرب العراق رغم معارضة العرب وأوروبا والأمم المتحدة. مبادرة الامير عبدالله وفي هذا المناخ المتفجر تجئ المفاجأة من الرياض، بالاعلان عن (مبادرة) الأمير عبدالله والتي لم يكشف النقاب عن بنودها رسميا حتى الآن، وانما كشف عنها الصحفي الأمريكي الذي طالما هاجم العرب قبل ذلك (فريدمان) والذي كان قد كتب قبل ذلك مطالبا الجامعة العربية أن تقوم من خلال القمة باطلاق مشروع للسلام تتوجه به الى الرأي العام في اسرائيل. ثم عاد الصحفي الأمريكي بعد ذلك فكتب عن حوار له مع ولي العهد السعودي أعلن له فيه أنه قد صاغ مبادرة تتضمن الاعتراف العربي باسرائيل وتطبيع العلاقات معها مقابل الانسحاب الى خطوط ماقبل يونيو 67 وانه كان سيتقدم بها الى القمة السابقة، لكن سياسة شارون ومايرتكبه من جرائم دفعاه الى وضع المبادرة في درج مكتبه. وربما يطرحها في القمة المقبلة اذا كانت الظروف مواتية. وبعد استقبال فاتر من الادارة الأمريكية تمثل في تصريح وزير الخارجية باول بأن المبادرة لا تحوي جديدا. بدأت واشنطن في التعامل الجاد مع المبادرة وأشاد بها الرئيس الأمريكي بوش وزعماء من أوروبا وعلى الجانب الاسرائيلي رحب بها بيريز، بينما ابدى شارون استعداده للقاء ولي العهد السعودي لبحث الأمر (أي التطبيع بلا مقابل) وتباينت ردود الفعل العربية، وان بدا أن المبادرة ستكون محورا للعمل في القمة المقبلة. وبغض النظر عن طريقة اعلان المبادرة أو شخصية الصحفي (فريدمان) المثيرة للجدل، فإن الترحيب الأوروبي مبرر.. فأوروبا تبحث عن وسيلة لانقاذ الموقف في الشرق الأوسط الذي يهدد مصالحها مباشرة وتعرف أن أي دور أساسي لها مرفوض أمريكيا، وكل مافي يدها أن تملأ الفراغ الناتج عن العجز الأمريكي أو الامتناع عن التدخل بتحركات تبقى الأمل موجودا عند الأطراف وان كانت لا تفعل شيئا، وهو ماتقوم به أوروبا منذ عشر سنوات بلا كلل أو ملل. والترحيب الأمريكي مفهوم لأنه أول اعلان من السعودية - بثقلها العربي والاسلامي - عن استعدادها للتطبيع الكامل مع اسرائيل، ولانه يفتح الباب لاستئناف التفاوض، ولأنه يلبي شروطا أمريكية بدأ القبول بها منذ مؤتمر مدريد، ولأنه يخفف من حالة الغليان التي يشعر بها العرب مما يجري للشعب الفلسطيني على يد حكومة شارون وبتأييد أمريكي كامل.. هذه الحالة التي كانت تضغط على القادة العرب وهم في سبيلهم للاجتماع في بيروت وربما في غيبة عرفات المحاصر والمعتقل في رام الله اذا لم يسمح له شارون بالسفر. ولم يكن هناك من مخرج الا بقرارات متشددة كانت واشنطن تضغط بكل السبل حتى تتفادى صدورها في القمة المقبلة. الموقف في اسرائيل يختلف، فالترحيب الرسمي من بيريز وزير الخارجية ومن مسئولين إسرائيليين اخرين جاء (من دون التطرق الى فحوى المبادرة وفي ضوء حقيقة انها تأتي من جهة سعودية رسمية رفيعة المستوى وهذا في حد ذاته تطور ايجابي). نحو التفاف عربي وبعيدا عن تحركات اعلامية مثل عرض الرئيس الإسرائيلي أن يذهب الى الرياض لتقريب المواقف، فإن ماينبغي الوقوف عنده تصريحان مهمان: أولهما تصريح سكرتير عام الحكومة الإسرائيلية بأن إسرائيل بغض النظر عن هوية حكومتها لن توافق على الانسحاب الى حدود الرابع من يونيو 67 لأن ذلك يعرض أمنها للخطر. وثانيهما تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي زعيم حزب العمل بنيامين بن اليعازر والذي أعلن فيه موافقته المبدئية على المبادرة قائلا: يجب الانتباه الى أن المبادرة لم تتطرق الى حق العودة!! وهاتان النقطتان تفرضان العمل السريع على بلورة ماسمى بالمبادرة السعودية حتى لا يكون هناك مجال للبلبلة، وحتى يمكن أن تتحول الى مبادرة عربية تحفل بالاجماع العربي وتكون رسالة سلام حقيقية تستند الى الحقوق الثابتة والشرعية الدولية. إن اسرائيل - ووراءها أمريكا - ستسعى لكي تكون المبادرة مجرد تنازل عربي تبدأ به من جديد مرحلة من التفاوض والاتفاقات التي لا تنفذ، والبحث عن مكاسب دون تقدم حقيقي على طريق السلام. والغموض الذي يلف المبادرة حتى الآن لا يخدم الموقف العربي بعد أن تحولت المبادرة إلى محور لعمل سياسي واسع. فنجاح المبادرة يستلزم أن تتحول لمبادرة عربية، وتحولها لمبادرة عربية يستلزم التفافا رسميا حولها، والأهم تأييدا كاملا من الرأي العام العربي ومن الشعب الفلسطيني الذي يدرك أن بناء المستوطنات مستمر حتى الآن، والاصرار على عدم التراجع لحدود الرابع من يونيو هو السياسة الرسمية لحكومة شارون والعقيدة الاساسية لليمين الاسرائيلي بكل فصائله، وانكار الحقوق المشروعة للاجئين الفلسطينيين هو أحد أسس الدولة الصهيونية حتى الآن، والخطير أن بعض أركان السلطة الفلسطينية (مثل سري نسيبة) يتحدث منذ فترة عن استعداد للتخلي عن عودة اللاجئين مقابل تخلي اسرائيل عن المستوطنات في غزة والضفة. هذا كله يستلزم سرعة بلورة الأفكار السعودية في تصور كامل يؤكد على شرط الانسحاب الاسرائيلي الكامل - وعلى حق العودة الذي لا يملك أحد أن يتنازل عنه ويطالب - حتى تتم تسوية شاملة بانهاء الانفراد الاسرائيلي بامتلاك الأسلحة النووية واعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. إن نجاح الأفكار السعودية يأتي بأن تصبح مبادرة لكل العرب، وبأن تكون محل اجماع الشعب الفلسطيني. ولذلك فالتمسك ضروري بحدود 67، وبانهاء انفراد اسرائيل بالسلاح النووي، أما حق العودة فلا يمكن ان يكون محل مساومة ولا يمكن التغاضي عنه في أي مبادرة لسلام حقيقي، حتى لو كانت هذه رغبة ياسر عرفات شخصيا، فحتى عرفات لا يملك حق التصرف في هذا الحق المشروع. ويبقى الطريق الى القمة محفوفا بالمخاطر ولعل انعقادها الآن أصبح أكثر ضرورة، وانعقادها في بيروت بالذات مهم للغاية.. فمن هذه العاصمة التي شهدت غزو اسرائيل لها ثم هزيمة الصهاينة وانسحابهم الذليل ينبغي أن يصدر الصوت العربي عاليا رافعا رايات السلام والمقاومة معا. وفي ظل الجنوب اللبناني الذي انتصر، ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين الذين ينتظرون ساعة الخلاص ويترقبون طريق العودة.. تكون الرؤية أوضح ويكون القرار أكثر اقترابا من الحقيقة، وهناك تمتزج مناورات السياسة بدماء الشهداء! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية