لو كان للأنهار والحجارة والأشجار أن تنطق لروت لنا أروع الحكايات عن تلك الحقبة التي شهدت ازدهاراً لم تشهد له مثيلاً حقبة اخرى من حقب التاريخ العربي والاسلامي، ولم تتوفر له الظروف السياسية والاجتماعية والعوامل الطبيعية والمناخ الملائم ليصل الى ذلك الأوج الذي يمكن ان يصل إليه عصر من العصور في مجالات العلم والثقافة والأدب. تلك هي الحقبة الأندلسية الزاهية بما أبدعته لنا من علوم غزيرة وفنون عظيمة وآداب رائعة انعكست خلالها الطبيعة الخلابة والعيشة الهانئة الرضية التي رققت نفوس اولئك القادمين من عمق الصحراء وغيرت من لغة خطابهم لينتجوا لنا ذلك الأدب الجميل شعراً ونثراً يذوب رقة وعذوبة وشاعرية. وما بين القرن الثامن الميلادي ونهاية القرن الخامس عشر كان الأدب الأندلسي قد تكون وتغيرت ملامحه اكثر من مرة منذ أن وقف عبدالرحمن الداخل في بدايات الحقبة الأندلسية ينظر الى نخلة نبتت بأرض الغرب في مدينة الرصافة التي بناها بظاهر قرطبة بعيداً عن تلك البلاد ذات النخيل حيث أتى ليؤسس دولة الأمويين في الأندلس بعد زوالها في المشرق، فإذا بالنخلة تشرع له باب الذكريات على مصراعيه وتنقله الى تلك الديار التي أقصي عنها.. وإذا بكل ذلك يفيض شعراً عذباً لكنه لا يخرج عن إطار شعر الجاهلية وصدر الاسلام وعصر بني أمية وبني العباس: تبدّتْ لنا وَسْطَ الرصافةِ نخلةٌ تناءتْ بأرضِ الغربِ عن بلدِ النخلِ فقلتُ شبيهي في التغربِ والنوى وطولِ التنائي عن بَنيّ وعن أهلي نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ فمثلُك في الإقصاءِ والمنتأى مثلي غير أن طيب المقام بتلك الديار قد ترك اثره الواضح على لغة الأدب عامة والشعر خاصة، فإذا بالألفاظ ترق والأخيلة تأخذ مساراً آخر لنستمع الى أجمل ما قيل في الغزل في عهد ملوك الطوائف والعهود التي تلته، وليس أدل على ذلك العهد وأظهر مما أنتجته لنا تلك العلاقة المتقلبة الأطوار بين ولادة بنت المستكفي وابن زيدون: بيني وبينكَ ما لو شئتَ لم يَضِعِ سر إذا ذاعتِ الأسرارُ لم يُذَعِ يا بائعاً حظهُ مني ولو بُذِلَتْ لي الحياةُ بحظي منه لم أبعِ يكفيك أنك إنْ حَمّلتَ قلبي ما لم تستطِعْهُ قلوبُ الناسِ يستطعِ ولكن هل كانت بيئة الحب في الأندلس تختلف عن غيرها؟ وهل خلت من الغيرة والحسد والوشاية؟ أبداً.. فقد اختلف وجه المكان وتبدلت معالم الأرض لكن النفس البشرية ظلت كما هي تحمل نوازع الخير والشر، وظل البشر على طبيعتهم بين صديق محب وعدو مبغض وعندما تكاثر الحساد على ابن زيدون وخاف على حبه الذي كان سبباً في زيادة عدد مبغضيه وأعدائه وجد في النأي عن قرطبة حلاً لهذا الوضع الذي لعبت ولادة دوراً في إذكاء الصراع فيه بتقريبها له مدة وتقريب غريمه ابن عبدوس اخرى، فرحل الى الزهراء علّه يجد في البعد عن دار ولادة السلوان، فهل وجده فعلاً؟ لم يحدث ذلك بدليل ان جذوة الشوق قد اتقدت وازدادت اشتعالاً، وفجر البعد فيه حنيناً كان القرب يخفف من وطأته، وهكذا تحدر الشوق شلالاً في قصيدته التي نقتطع منها: إني ذكرتُكِ بالزهراءِ مشتاقاً والأُفْقُ طَلْقٌ ووجهُ الأرضِ قد راقا وللنسيمِ اعتلالٌ في أصائِلهِ كأنما رق لي فاعتل إشفاقا والروضُ عن مائِهِ الفضي مبتسمٌ كما حللتَ عن اللباتِ أطواقا يومٌ كأيامِ لذاتٍ لنا انصرمت بتنا لها ـ حين نام الدهرُ ـ سُراقا هذا هو بوح شاعر شفّه الوجد وأضناه البين، فماذا تقول شاعرة لم تجد ـ في ذلك العصر ـ حرجاً في الكشف عن لهفتها وشدة اشتياقها للحبيب؟ إنها تعلنها صريحة في أبيات عذبة تضع فيها حفصة الركونية من المحسنات البديعية ما يزيدها حسناً وجمالاً دون أن يخل بروعتها إذ تخاطب من تحب قائلة: أزورُكَ أمْ تزورُ؟ فإنّ قلبي إلى ما تشتهي أبداً يميلُ فثغري موردٌ عذبٌ زُلالٌ وفرعُ ذؤابتي ظِل ظليلُ وقد أملتُ أن تظما وتُضحي إذا وافى إليك بي المقيلُ فعجلْ بالجوابِ فما جميلٌ إباؤُك عن بثينةَ يا جميلُ فهل يلام بعد ذلك ابن خفاجة الأندلسي إذا ما تفجرت شاعريته وانتشى بما يرى ويسمع فعبّر عن ذلك قائلاً: يا أهْلَ أنْدَلُسٍ للّهِ دَركُمُ ماءٌ وظِل وأنهارٌ وأشجارُ ما جنةُ الخُلْدِ إلاّ في ديارِكُمُ ولو تخيرتُ، هذا كنتُ أختارُ ولا يذهب بروعة ذلك كله إلاّ تلك اللحظة التاريخية الحزينة وغرناطة تسقط في يد الملوك الكاثوليك (فرديناند وايزابيلا) ليلة الثاني من يناير عام 1492، بينما يقف آخر ملوك بني الأحمر أبو عبدالله الصغير باكياً على أسوار مدينته وجدران قصره تردد صدى مقولة أمه الشهيرة (إبكِ كالنساء مُلْكاً لم تحافظ عليه كالرجال) ليسدل الستار على آخر فصل من فصول الرواية التي مزقت أبطالها الفتن والحروب والمشاحنات والصراع على الكراسي لتقع فريسة سهلة في يد الأعداء، ويرتفع صوت أبي البقاء الرندي راثياً فردوس العرب المفقود: لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ فلا يُغَر بطيبِ العيش إنسانُ هي الأمورُ كما شاهدتُها دولٌ من سرهُ زمنٌ ساءتْهُ أزمانُ يا غافلاً وله في الدهرِ موعظةٌ إن كنتَ في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ