لن يتيسر حل مشكلة جنوب السودان سياسيا طالما ان القوى الخارجية صاحبة «المبادرات» تتحرك تجاه المشكلة بدوافع اجندتها ومصالحها الذاتية. ولن تجد هذه القوى الخارجية ضرورة لتغيير نهجها طالما ظلت الاحزاب الرئيسية في شمال السودان ـ بما في ذلك الحزب الحاكم ـ تتعامل مع مشكلة الجنوب، لا كقضية مصيرية مزمنة ومخضرمة، وانما كمجرد ورقة تستخدم في مناورات لعبة السلطة. لكن ما هي، أولا، اجندة ومصالح القوى الخارجية؟ هناك ثلاث قوى أساسية فاعلة دخلت بصورة مباشرة في معترك المشكلة وهي تعرض مبادرات اتاحت لها زخما من الاتصالات المنتظمة مع الاطراف السودانية الثلاثة المعنية بالأمر: النظام الحاكم، والمنظمة الجنوبية المسلحة «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، والمعارضة الشمالية. وقد قصدت ألا أضيف الى القوى الخارجية منظمة «ايجاد» الافريقية.. فالدول التي تتكون منها هذه المنظمة لا يمكن ان توصف بأنها قوى فاعلة. القوى الثلاث الفاعلة حقا هي مصر وليبيا والولايات المتحدة. مصر وليبيا تشتركان في مبادرة موحدة طرحت رسميا على الاطراف السودانية الثلاثة ورغم اسمها الكبير فان المبادرة المصرية الليبية لا تنطوي على مشروع حل وانما هي مجرد مسعى لجمع الاطراف السودانية في مؤتمر لتدخل في حوار جاد بين بعضها البعض. اما المبادرة الامريكية فانها اذ تشتمل على صيغة حل سياسي للعلاقة المستقبلية بين شمال السودان وجنوبه على أساس «نظامين في دولة واحدة» فان واشنطن تحجم عن اعلان هذا الاقتراح رسميا مكتفية مرحليا بقضايا اجرائية مثل وقف اطلاق النار وتيسير انشطة الاغاثة. ونعود الى السؤال المطروح: ماذا تريد كل من هذه القوى الثلاث من منظور الاجندة والمصالح الذاتية؟ لنبدأ بمصر. ترى مصر اي مستقبل لجنوب السودان من منظور مياه النيل. ومن هذا المنظور ليس من مصلحة مصر في كل الاحوال قيام دولة مستقلة على أرض الجنوب السوداني. فهذه الدولة سوف تكون اضافة جديدة الى منظومة الدول الواقعة على حوض النيل برافديه الابيض والازرق مما يؤدي بالضرورة الى تقليل حصص قسمة المياه بين الدول الأعضاء. والدولة الوحيدة بين الدول الاعضاء التي تعتمد على النيل بحسابات الحياة او الموت هي مصر. ومن هنا نتفهم معارضة مصر مبدأ تقرير المصير بشأن جنوب السودان. ليبيا ـ من خلال المبادرة المشتركة ـ تؤيد هذا الموقف المصري.. وكذلك نظام الحكم السوداني. وكلاهما ـ ليبيا والخرطوم ـ ينظر في الامر من خلال ضرورات الابقاء على علاقات التعاون الاستراتيجية القائمة بين طرابلس والخرطوم مع القاهرة. الولايات المتحدة تهدف الى فصل جنوب السودان في المدى البعيد ليصير «اسرائيل» افريقية بوجه مسيحي. لكنها تمسك عن هذا الحديث حاليا كتكتيك مرحلي. فواشنطن، بالحسابات الشرق أوسطية، لا ترغب في استفزاز القاهرة رغم انها لن تنسى هدفها لفصل الجنوب مستقبلا. هذا التضارب في المبادرات يفسر لنا لماذا تراوح مشكلة جنوب السودان مكانها. لكن مما يعوق مساعي حل المشكلة ايضا مسلك الاحزاب الشمالية الرئيسية بما فيها الحزب الحاكم. فقيادات هذه الاحزاب جميعا يخلطون بين مشكلة الجنوب كمعضلة ثابتة وقديمة العهد أهل الشمال وأهل الجنوب وبين تطلعاتهم الذاتية الوقتية الى استرداد السلطة «في حالة احزاب المعارضة» او الاحتفاظ بها «في حالة الحزب الحاكم». وهكذا تهبط قضية الجنوب الى مستوى ثانوي كورقة للمناورات في لعبة السلطة ـ الامر الذي يشجع القوى الخارجية على مواصلة تعاملها مع المشكلة من منظور الاجندة والمصالح الذاتية.